يعود توني بلير ونيكولاي ملادينوف إلى تل أبيب، لا لإنقاذ غزة من الكارثة الإنسانية التي تعيشها، بل لإعادة إنتاج مشهد سياسي مخادع، يمنح الاحتلال مزيدًا من الوقت والغطاء لمواصلة جرائمه، تحت لافتة «مجلس السلام» والتفاهمات المتعلقة بقطاع غزة.
تحركاتهما ولقاءاتهما مع المسؤولين الإسرائيليين، والحديث عن ترتيبات سياسية جديدة، لا يمكن فصلها عن محاولات ترميم صورة الاحتلال وحلفائه، خصوصًا بعد الانتكاسات الانتخابية التي تعرض لها نتنياهو وترامب، وما أثارته من تساؤلات حول مستقبل سياساتهما في المنطقة.
المفارقة أن بلير وملادينوف، اللذين يفترض أن يتحركا لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، لم يقدما خلال العام الماضي موقفًا حاسمًا إزاء استمرار الانتهاكات الإسرائيلية، بل تحولت تحركاتهما، في نظر الفلسطينيين، إلى غطاء سياسي يمنح الاحتلال فرصة للتهرب من استحقاقاته، في حين يدفع سكان غزة الثمن من دمائهم وحياتهم ومستقبل أبنائهم.
بعد عام على اتفاق أكتوبر 2025، تبدو غزة أمام مأساة إنسانية مستمرة، لا أمام مسار حقيقي للتعافي. فالقتل لم يتوقف، والدمار يتسع، والمعابر تخضع للقيود، ومئات آلاف النازحين يواجهون الشتاء دون الحد الأدنى من مقومات الحياة.
أين الكرفانات والخيام؟ أين الأدوية والمستلزمات الطبية؟ أين المعدات اللازمة لانتشال جثامين الشهداء من تحت الأنقاض؟ وأين إعادة تأهيل شبكات المياه والصرف الصحي والطرق والمرافق الأساسية؟ بل أين الالتزام بالحد الأدنى من التعهدات الإنسانية التي نصت عليها التفاهمات؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى اجتماعات جديدة في تل أبيب، ولا إلى صور تذكارية مع قادة الاحتلال، وإنما إلى إجابات واضحة وإجراءات ملزمة تكشف الطرف الذي يعطل الاتفاق، وتضع حدًا لسياسة الإفلات من المسؤولية.
*الأخطر أن يتحول «مجلس السلام» إلى أداة لإدارة الكارثة بدل إنهائها، وأن تصبح اللقاءات السياسية وسيلة لشراء الوقت*، في حين يواصل الاحتلال فرض وقائع جديدة على الأرض، ويتنصل من التزاماته الإنسانية والسياسية.
لقد أثبت العام الماضي أن *المشكلة ليست في نقص المبادرات أو الوسطاء، وإنما في غياب الإرادة لإلزام إسرائيل بما وقعت عليه*، وفي استمرار توفير الحماية السياسية لها.
*غزة لا تحتاج إلى بلير وملادينوف بثوب جديد، ولا إلى فصل آخر من مسرحية السلام. إنها تحتاج إلى موقف دولي صريح يعلن مسؤولية الاحتلال عن تعطيل الاتفاق*، ويفرض فتح المعابر، وإدخال احتياجات الإغاثة والإعمار، ووقف الاعتداءات.
أما إعادة تدوير الوجوه ذاتها، وتقديمها باعتبارها صانعة للسلام، فلن تكون سوى محاولة جديدة لتبييض وجه الاحتلال، وتحويل جرائمه إلى ملف تفاوضي مفتوح، يدفع الفلسطينيون ثمنه كل يوم.