تتسلل هالة عوض (52 عامًا) إلى خيمتها كلما اشتدت الرياح، تتفقد أطرافها وتراقب سقفها الهشّ، كأنها تحاول استباق المطر قبل أن يجد طريقه إلى الداخل. حولها تتناثر بقايا منزل دمّره جيش الاحتلال الإسرائيلي، وفوق أنقاضه تحاول مع زوجها وأبنائها الثلاثة، أحدهم من ذوي الإعاقة، أن تصنع مأوى لا يملك من مقومات الحماية سوى غطاءٍ من القماش.
في شارع عايدية بالقرب من مجمع الشفاء الطبي، غربي مدينة غزة، كان المنزل المكون من أربعة طوابق يومًا مساحة آمنة تجمع أفراد الأسرة، اليوم باتت الخيمة بديلًا إجباريًا لا يحميهم من تقلبات الطقس، ولا يمنحهم الطمأنينة التي يحتاجون إليها. ومع اقتراب موسم الأمطار والرياح، يتجدد خوف هالة من أيام ثقيلة تعرف سابقًا كيف تبدأ لكنها لا تعرف كيف ستنتهي.
فالأمطار التي ينتظرها كثيرون بوصفها مصدرًا للحياة، تستقبلها العائلات المقيمة في الخيام بقلق بالغ، بعدما تحولت إلى تهديد مباشر لمساكنها المؤقتة، التي تتسرب المياه إلى داخلها، وتغمر أرضياتها، وتترك قاطنيها في مواجهة البرد والرطوبة.
بالنسبة إلى هالة وأسرتها، لا يتعلق الأمر بليلة ماطرة عابرة، بل بمخاوف تتراكم مع كل منخفض جوي، مع غياب منزل يحميهم، وصعوبة العثور على مأوى أكثر أمانًا، واستمرار العيش فوق ركام المكان الذي كان يجمعهم قبل الحرب.
خيمة لا تصمد
تعيش العائلة داخل خيمة أقيمت فوق أنقاض منزلها، في مشهد يلخص جانبًا من واقع آلاف الأسر الفلسطينية التي فقدت بيوتها خلال الحرب، واضطرت إلى اتخاذ الخيام والشوادر بدائل لا توفر الحد الأدنى من الحماية والاستقرار.
ومع كل هطول للأمطار، تتحول الخيام الهشة إلى مصدر جديد للمعاناة؛ إذ تتسرب المياه عبر أغطيتها، وتتجمع على أرضياتها، في حين تجد الأسر نفسها مضطرة إلى حماية ما تبقى لديها من أمتعة وأغطية، ومحاولة إبقاء أماكن نومها جافة وسط ظروف شديدة القسوة.
وقالت هالة لصحيفة "فلسطين": "كلما اقترب الشتاء، يبدأ الخوف يسكن قلوبنا من جديد لأننا نعرف ماذا تفعل الأمطار بخيامنا، وكيف تتحول الأرض تحتنا إلى مياه، فنقضي الليل نحاول حماية أنفسنا وأطفالنا، ولا نعرف كيف سنواجه المنخفض القادم".
وتخشى هالة تكرار هذه المشاهد مع دخول موسم الشتاء، بعدما باتت الرياح والأمطار هاجسًا يوميًا يرافقها كلما تغير الطقس. فالخيمة التي تؤوي أفراد أسرتها لا تشبه المنزل الذي فقدوه، ولا توفر لهم الجدران المتينة أو السقف الذي يمكن الوثوق بقدرته على مواجهة العواصف.
وأضافت: "أكثر ما يؤلمني أنني لا أستطيع توفير الأمان لأبنائي، فنحن نعيش فوق أنقاض بيتنا، تحت سقف من القماش لا يحمينا من المطر ولا البرد، وأفكر دائمًا كيف سأحمي ابني من ذوي الإعاقة إذا اشتدت الرياح وغمرت المياه الخيمة".
وتزداد وطأة هذه المخاوف مع وجود ابن من ذوي الإعاقة بين أبنائها، بما يجعل الحاجة إلى مأوى آمن وملائم للأسرة أكثر إلحاحًا، خصوصًا في الأيام التي تتطلب فيها الظروف الجوية حماية إضافية ورعاية تتناسب مع احتياجاته.
حياة عالقة بين الركام
لا تقتصر معاناة الأسرة على فقدان المنزل فحسب، بل إنها خسرت الشعور بالأمان والاستقرار، وأصبحت تفاصيل الحياة اليومية مرتبطة بمحاولات مستمرة للتكيف مع واقع النزوح.
ومع اقتراب الشتاء، تجد هالة نفسها أمام أسئلة تتجاوز كيفية قضاء يوم ماطر؛ كيف ستحمي أبناءها إذا اشتدت الرياح؟ وأين سيحتمون إذا غمرت المياه الخيمة؟ وكيف ستتمكن الأسرة من تجاوز البرد والرطوبة في غياب مأوى يحفظ كرامتها ويوفر لها الحد الأدنى من الأمان.
هذه المخاوف ليست استثناءً في قطاع غزة، حيث تواجه عائلات كثيرة ظروفًا متشابهة بعد فقدان منازلها وسط ظروف إنسانية في غاية القسوة يصحبها تنصل إسرائيلي من إدخال مستلزمات إيواء مؤقت ومنها "الكرفانات" والبيوت المتنقلة إلى حين البدء بالإعمار.
وتابعت هالة حديثه: "لم نفقد بيتنا فقط، بل فقدنا معه شعورنا بالأمان. لم نعد نطلب حياة مترفة، كل ما نريده مكان يحمي أسرتنا من المطر والبرد، وسقف لا نخاف أن يتسرب الماء من تحته كلما أمطرت السماء".
وبالنسبة إلى هالة، لا يبدو الشتاء مجرد فصل جديد في العام، بل اختبارًا آخر لقدرة أسرتها على الاحتمال في وقت يبدو فيه أن ملف الإعمار بعيد المنال في ظل استمرار الحرب وسياسات الاحتلال الإسرائيلي.
فوق الركام الذي كان يومًا بيتًا عامرًا بالحياة، تنتظر الأم الفلسطينية موسمًا تعرف قسوته جيدًا، وتأمل أن تمر أيامه من دون أن تتحول خيمتها إلى بركة من المياه، أو أن تجد أسرتها نفسها مجددًا أمام مأساة لا تملك وسائل كافية لتفاديها.