من أريحا انطلقت أولى خطوات تطبيق اتفاق أوسلو عام 1994، وهناك تعلقت آمال الفلسطينيين بأن تكون المدينة بوابة الخروج من الاحتلال، ومقدمة لاستعادة الأرض وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، لكن بعد أكثر من ثلاثة عقود، يعود المستوطنون إلى المدينة نفسها، لا لاستكمال ما بدأته أوسلو، بل لقلب معادلتها رأسًا على عقب، فبدلًا من أن تكون أريحا بوابة خروج الاحتلال، يريدها المستوطنون بوابة لعودتهم إلى قلب الجغرافيا الفلسطينية.
*ما جرى في أريحا ليس مجرد استيلاء على منازل فلسطينية، بل تطور بالغ الخطورة في طبيعة المشروع الاستيطاني*، الذي لم يعد يكتفي بتوسيع المستوطنات ومصادرة الأراضي وإقامة البؤر الاستيطانية على أطراف التجمعات الفلسطينية، بل ينتقل إلى اختراق المدن والبلدات وفرض وجود استيطاني داخل محيطها العمراني والديمغرافي.
والأخطر أن هذا التحرك يستند إلى خلفية دينية وأيديولوجية معلنة. فقد أعلنت منظمة "نحالا" الاستيطانية عن تسكين عائلات يهودية في ثمانية منازل قرب قصر هشام، وربطت رئيستها هذه الخطوة برؤية الحاخام "ليفينغر"، أحد أبرز رموز الاستيطان الديني، الذي دعا إلى إقامة المستوطنات داخل المدن الفلسطينية الكبرى، كما استندت إلى نص توراتي يتحدث عن امتلاء شوارع المدينة بالأطفال والفتيات، في إحالة إلى تصور ديني يعتبر عودة المستوطنين إلى المدن الفلسطينية تحقيقًا لوعد توراتي مزعوم.
وتكتمل الصورة مع تصريحات رئيس ما يسمى "مجلس مستوطنات وسط الضفة"، الذي وصف أريحا بأنها بوابة الشعب الإسرائيلي إلى أرضه، ودعا إلى تغيير الاتجاه وتفكيك اتفاق أوسلو ميدانيًا، بيتًا بعد بيت وعائلة بعد عائلة.
*نحن هنا أمام مشروع لا يكتفي بتبرير التوسع الاستيطاني، بل يعلن صراحة هدفه المتمثل في تقويض أوسلو وإعادة صياغة الجغرافيا الفلسطينية وفق رواية دينية وسياسية تنكر حق الفلسطينيين في أرضهم*.
لكن *ما يحدث لم يبدأ في أريحا، فمنذ العام 2019، بدأت موجات تهجير التجمعات البدوية في الأغوار ومناطق أخرى، تحت ضغط اعتداءات المستوطنين وعمليات التضييق والهدم ومصادرة الممتلكات*، في سياق دفع الفلسطينيين إلى مغادرة أراضيهم، وهي ممارسات تشكل تهجيرًا قسريًا يتعارض مع قواعد القانون الدولي. ومع ذلك، لم نشهد حينها موقفًا رسميًا يتناسب مع حجم الكارثة، بل بدا أن السلطة تراهن على التغاضي عن هذه الوقائع وتجنب التصعيد، أملًا في فتح فجوة في جدار القطيعة مع الاحتلال واستعادة العلاقة معه، بينما كان الاحتلال يستثمر هذا الصمت لتغيير الجغرافيا وفرض وقائع جديدة.
ثم اتسعت الدائرة، وانتقل المشروع من التجمعات البدوية إلى القرى الفلسطينية، كما حدث في بلدة قصرة وغيرها، حيث فرض المستوطنون اعتداءاتهم ووجودهم داخل المجال الحيوي للتجمعات السكانية، واليوم تنتقل العملية إلى مستوى أكثر خطورة، المدن الفلسطينية نفسها.
هكذا يجري تفكيك اتفاق أوسلو، لا بقرار سياسي واحد، بل لبنة بعد لبنة، فحكومات الاحتلال التي وقعت الاتفاق لم تتعامل معه يومًا باعتباره موجودًا أو طريقًا لإنهاء الاحتلال، فيما يعمل المستوطنون اليوم على نسف الوقائع التي قام عليها، والمفارقة أن السلطة التي نشأت في سياق أوسلو تبدو عاجزة حتى عن حماية الحد الأدنى من الوجود الفلسطيني الذي يُفترض أن الاتفاق وفر له إطارًا سياسيًا وإداريًا، فالتقسيمات الجغرافية إلى مناطق (أ) و(ب) و(ج)، التي قُدمت باعتبارها ترتيبات انتقالية، تحولت إلى أدوات يستخدمها الاحتلال لتكريس سيطرته وتوسيع الاستيطان والضم، ولم تعد حتى المدن الفلسطينية بمنأى عن الاختراق.
فلم يعد اليوم مقنعًا الاحتماء بتصنيف الديوك ضمن المنطقة (ج)، أو التذرع بحدود الصلاحيات التي رسمها اتفاق أوسلو، فما قيمة سلطة لا تستطيع حماية الوجود الفلسطيني، ولا تملك استراتيجية لمواجهة مشروع يعلن صراحة استهداف الأرض والسكان؟ وما جدوى الالتزامات والتنسيق والاتفاقيات، إذا كان الاحتلال يعمل على تقويضها من دون أن يتحمل أي كلفة؟
لقد تحولت إدارة الأزمة إلى بديل عن مواجهتها، وأصبحت البيانات والإدانات والمناشدات الدولية وسيلة لتسجيل الاعتراض على وقائع يجري تثبيتها كل يوم، بينما تراهن السلطة على تغير الموقف الإسرائيلي والوساطات الخارجية، بدلًا من بناء استراتيجية وطنية للمواجهة.
*أريحا اليوم ليست مجرد مدينة مهددة بوجود استيطاني جديد، بل عنوان لتحول سياسي وجغرافي قد يمتد إلى مدن فلسطينية أخرى*، وإذا كان الاحتلال قد بدأ بتهجير التجمعات البدوية، ثم انتقل إلى القرى، فإنه يختبر الآن قدرته على اختراق المدن، وإذا مر هذا التحول من دون رد فعل يغير حساباته، فلن يكون السؤال عن المدينة التالية، بل عن عدد المدن والبلدات التي ستبقى خارج مشروع الاستيطان والضم.
ولا تتوقف المساءلة عند السلطة وحدها، بل تمتد إلى المجتمع والقانون الدولي اللذين طالما راهنت عليهما القيادة الفلسطينية، فالعالم الذي وقف عاجزًا، أو اختار غض الطرف، أمام مذبحة طالت نحو ربع مليون فلسطيني بين شهيد وجريح، هل سينتفض اليوم من أجل بضعة منازل في أريحا أو في هذه القرية أو تلك؟ وهل يمكن التعويل على من عجز عن وقف المذبحة لردع مشروع استيطاني يمضي في تنفيذ أهدافه تحت حماية حكومة الاحتلال وجيشها؟ إن الرهان على صحوة الضمير الدولي من دون امتلاك أوراق قوة فلسطينية ليس سوى استمرار للمراهنة على الوهم.
المطلوب اليوم مراجعة سياسية شاملة تنهي حالة الانتظار، وتعيد بناء الموقف الوطني على أساس حماية الأرض والإنسان، وتوحيد الموقف الفلسطيني، وتوفير الحماية للتجمعات المهددة، وتفعيل أدوات المواجهة القانونية والسياسية والشعبية، ومحاسبة كل من قصر، فلم يعد الخلاف بين مؤيد لأوسلو ومعارض له، بل بين من يدرك أن المشروع السياسي الذي تأسست عليه السلطة يتعرض للتفكيك، ومن لا يزال ينتظر إنقاذه بالاتصالات والبيانات.
من أريحا بدأت حكاية أوسلو، وأريحا اليوم شاهدة على نهايتها، فالمستوطنون يعرفون جيدًا ماذا يريدون من أريحا وبقية المدن الفلسطينية، أما السلطة، فالفلسطينيون ينتظرون منها إجابة واضحة: هل لديها مشروع وطني لمواجهة ما يجري، أم أن دورها بات يقتصر على توثيق هدم المشروع الذي قامت على أساسه؟