حذرت دراسة حديثة من تراجع الوجود المسيحي العربي في القدس المحتلة، بعد انخفاض نسبتهم من 25 بالمئة عام 1922 إلى نحو 1.56 بالمئة بنهاية 2023، في ظل سياسات إسرائيلية تستهدف وجودهم ومقدساتهم وأملاكهم.
جاء ذلك في دراسة أصدرها قسم الأبحاث والمعلومات بمؤسسة القدس الدولية، ونشر نتائجها، أخيرا، بعنوان "قدس بلا مسيحيين: تصفية الوجود المسيحي العربي في القدس المحتلة (الأدوات والأهداف)"، أعدها الباحث علي إبراهيم، وراجعها وحررها هشام يعقوب.
وأوضحت الدراسة أن الوجود المسيحي العربي، الذي يمثل "مكونا أصيلا ورئيسيا في النسيج الوطني الفلسطيني"، يواجه سياسات إسرائيلية ممنهجة تستهدف تغيير الهوية الديموغرافية والدينية للقدس.
وبحسب الدراسة، بلغ عدد المسيحيين في القدس بشطريها نحو 15 ألفا و300 شخص بنهاية 2023، بينهم 13 ألفا و100 فلسطيني، بعدما تراجعت نسبتهم من 25 بالمئة إلى 1.56 بالمئة خلال قرن.
وعزت التراجع إلى السياسات الإسرائيلية والتضييق الاقتصادي والاجتماعي والهجرة المستمرة، إلى جانب انخفاض معدلات النمو السكاني.
وأشارت إلى أن سلطات الاحتلال الإسرائيلية تمنح الفلسطينيين المقدسيين "صفة الإقامة" بدلا من المواطنة، وتسحب بطاقات إقامتهم استنادا إلى معيار "مركز الحياة"، وهي إجراءات طالت آلاف الفلسطينيين.
واعتبرت ذلك جزءا من محاولات "إسرائيل إعادة هندسة الواقع السكاني في القدس، بما يضمن ترسيخ الأغلبية اليهودية، وتقليص الحضور الفلسطيني بمختلف مكوناته".
استهداف الأوقاف والأملاك الكنسية
ورصدت الدراسة محاولات إسرائيلية للسيطرة على الأوقاف والأملاك الكنسية، التي تشكل نحو 28 بالمئة من أراضي الأوقاف بالقدس الشرقية، عبر صفقات تأجير طويلة الأمد لجمعيات استيطانية، وضغوط مالية تشمل فرض ضريبة الأملاك المعروفة باسم "الأرنونا".
وفي 20 حزيران/يونيو الماضي، أدانت مؤسسات فلسطينية استيلاء سلطات الاحتلال على أرض لبطريركية الروم الأرثوذكس ببلدة سلوان في القدس، وطرد ممثل البطريركية ومصادرة معداته واقتلاع أشجار الأرض، ووصفت ذلك بأنه "اعتداء خطير".
واعتبرت الخارجية الأردنية الخطوة "خرقا صارخا للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني".
ورصدت الدراسة تصاعد اعتداءات المستوطنين على رجال الدين والرهبان والمصلين المسيحيين، بما يشمل العنف الجسدي واللفظي والبصق وتخريب الممتلكات والمقابر والرموز الدينية.
وفي 3 تموز/يوليو الماضي، كشف مركز "بيانات الحرية الدينية ورصد التحرش بالمسيحيين" في دولة الاحتلال توثيق 83 اعتداء على مسيحيين ضمن 76 حادثة بين نيسان/أبريل/ وحزيران/يونيو 2026.
وأوضح أن 68 حادثة وقعت في القدس، بينها 46 بالبلدة القديمة، فيما شملت الاعتداءات 47 حادثة بصق، شكلت نحو 56 بالمئة من إجمالي الاعتداءات.
وفي 6 أيلول/سبتمبر الماضي، أعلنت محافظة القدس أن مستوطنة بصقت على مدخل دير القديس يعقوب بالحي الأرمني، معتبرة ذلك جزءا من اعتداءات متكررة على المقدسات ورجال الدين المسيحيين.
ورصدت الدراسة قيودا إسرائيلية على الوصول إلى كنيسة القيامة، وتقليص أعداد المشاركين في المناسبات الدينية، بينها "سبت النور" و"عيد الفصح".
وفي 11 أبريل الماضي، منعت شرطة الاحتلال العديد من المسيحيين من الوصول إلى كنيسة القيامة لإحياء "سبت النور"، عقب إغلاق الكنيسة والمسجد الأقصى لمدة 40 يوما بذريعة منع التجمعات خلال الحرب مع إيران.
"طمس هوية القدس"
وحذرت الدراسة من أن السياسات الإسرائيلية تسعى إلى "تفكيك الرواية الوطنية الفلسطينية الجامعة، وإلغاء وجه المدينة الحضاري العربي والمتعدد"، تمهيدا لفرض رواية "القدس اليهودية الموحدة".
وفي 20 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أدان مجلس بطاركة ورؤساء الكنائس في القدس اعتداءات المستوطنين على سكان بلدة الطيبة المسيحية وسط الضفة الغربية وضيوفها، بينهم دبلوماسيون أوروبيون، معتبرا استمرارها نتيجة إفلات مرتكبيها من العقاب.
كما شهدت بلدة أبو قش شمال مدينة البيرة، في 24 أكتوبر، وقفة تضامنية مع مركز "جبل النجمة" للتأهيل التابع للكنيسة الإنجيلية اللوثرية، عقب اقتحامه من مستوطنين وإلحاق أضرار بمرافقه في 9 من الشهر ذاته. ويقدم المركز خدمات لنحو 100 طفل وشاب من ذوي الإعاقات الذهنية.
ودعت الدراسة إلى تكثيف التحركات القانونية والدبلوماسية لتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية وتدويلها، والتواصل مع الكنائس العالمية لحماية الأوقاف والمقدسات المسيحية.
كما أوصت بدعم صمود المسيحيين الفلسطينيين وتعزيز حضورهم بالمؤسسات الكنسية، والتصدي لمحاولات الاستيلاء على ممتلكاتها، حفاظا على الوجود المسيحي العربي وهوية القدس التاريخية.
وتأتي الانتهاكات بحق المسيحيين وسط تصاعد اعتداءات الجيش والمستوطنين في الضفة الغربية منذ بدء الإبادة الجماعية الإسرائيلية بقطاع غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023.