في ورشة متواضعة داخل بلدية خان يونس جنوبي قطاع غزة، ينحني محمد مهدي فوق قضبان حديدية، يمسكها بيديه ويعيد تشكيلها، قبل أن يثبت عليها شبكاً معدنياً صنعه بأدوات بسيطة. ليست هذه مجرد أعمال حدادة اعتيادية، بل محاولة لصناعة حلول بديلة لمواجهة موسم الشتاء، في وقت تعجز فيه البلدية عن توفير المعدات والمواد اللازمة بفعل الحصار وقيود الاحتلال على إدخال مستلزمات العمل.
وبينما تقترب المنخفضات الجوية، يحاول مهدي وزملاؤه تحويل ما تبقى من مخلفات الحرب والمواد المتضررة إلى أدوات تساعد في حماية الشوارع من تجمع مياه الأمطار وانسداد عبارات التصريف، في سباق مع الوقت والإمكانات المحدودة، لتقليل مخاطر قد تطال مئات آلاف النازحين والسكان الذين يعيشون في خيام ومساكن مؤقتة ومناطق منخفضة.
ويقول مهدي، وهو فني حدادة في البلدية، لصحيفة "فلسطين" إن اقتراب موسم الشتاء وضع الطواقم أمام تحديات كبيرة، خصوصاً مع نقص الإمكانات والمواد اللازمة لتجهيز عبارات تصريف مياه الأمطار، ما دفعهم إلى ابتكار وسائل يدوية اعتماداً على المتاح داخل المؤسسة.
ويوضح أن الفنيين يستخدمون قضبان الحديد بقطر 12 مليمتراً، ويعملون على ثنيها وتركيب شبك معدني عليها يدوياً، لتصنيع أغطية وحواجز تحمي فتحات التصريف من النفايات والمخلفات التي تحملها مياه الأمطار، مثل النايلون والبلاستيك والحجارة وغيرها.

ويضيف أن هذه الأعمال تُنفذ رغم صعوبة توفير مستلزمات اللحام وأحجار القص وغيرها من المواد الضرورية، مشيراً إلى أن الفنيين يلجأون إلى إعادة استخدام الحديد والمواد المستخرجة من مخلفات حرب الإبادة، وإعادة توظيفها في تصنيع احتياجات البلدية لخدمة الشوارع وشبكات الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار.
ولا يخفي مهدي محدودية هذه الحلول، لكنه يرى أنها تمثل ضرورة في ظل الظروف الراهنة، إذ يمكن أن تسهم، في الحد من نحو 60 إلى 70% من المشكلات المرتبطة بانسداد عبارات تصريف المياه، وتخفيف تجمع المخلفات التي تعيق جريان مياه الأمطار، بما يقلل احتمالات غرق الشوارع وتفاقم الأضرار خلال المنخفضات الجوية.
ويؤكد أن ما يصنعه وزملاؤه ليس بديلاً عن المعدات والمواد المتخصصة التي تحتاج إليها البلدية، لكنه جهد ذاتي لتجاوز النقص الحاد، ومحاولة لتسخير كل ما هو متاح لحماية السكان والبنية التحتية من مخاطر الشتاء.
85% من المحافظة مدمرة
وتأتي هذه المحاولات في وقت تواجه فيه محافظة خان يونس تحديات استثنائية مع اقتراب فصل الشتاء، بعدما خلفت الحرب دماراً واسعاً طال البنية التحتية وشبكات الطرق والصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار، إلى جانب تدمير جانب كبير من آليات البلديات ومعداتها.
وخلال مؤتمر صحفي عقدته لجنة طوارئ الشتاء في محافظة خان يونس، أطلقت البلدية تحذيرات من تفاقم المخاطر الإنسانية والبيئية والصحية مع بدء المنخفضات الجوية، مؤكدة أن حجم الدمار وتراجع القدرات التشغيلية يجعلان الاستجابة للطوارئ أكثر صعوبة.
وقال رئيس بلدية خان يونس، د. علاء الدين البطة، إن المحافظة دخلت موسم الشتاء في ظل دمار تجاوز 85% من مساحتها، واستنزاف حاد لقدرات المؤسسات الخدماتية، بالتزامن مع استمرار إغلاق المعابر ومنع إدخال المعدات والآليات وقطع الغيار والوقود والزيوت اللازمة لتشغيلها.
وأوضح البطة خلال مؤتمر صحفي أمس، أن البلدية تواجه نقصاً حاداً في المعدات الأساسية، مشيراً إلى أن عدداً من الآليات المتوقفة على أبواب المعابر ينتظر السماح بإدخالها منذ أشهر، وبعضها منذ سنوات، ومن بينها سيارات مخصصة لشفط المياه ومولدات كهربائية متبرع بها منذ أكثر من عام، لكنها لم تصل إلى طواقم البلدية حتى الآن.
وأضاف أن المشكلة لا تقتصر على نقص الآليات، بل تمتد إلى عدم توفر زيوت التشغيل والوقود وقطع الغيار، ما أدى إلى توقف عدد من المعدات الموجودة بالفعل عن العمل، في ظل غياب الموارد المالية الكافية التي تمكّن البلديات من شراء احتياجاتها الأساسية ومواصلة تقديم الخدمات.
وأشار البطة إلى أن البلديات تعرضت لاستهداف مباشر خلال الحرب، طال مقارها ومرافقها وآلياتها، قبل أن تتفاقم معاناتها بفعل القيود المفروضة على إدخال المواد الضرورية لإعادة تشغيل ما تبقى من معداتها، الأمر الذي أضعف قدرتها على التعامل مع الطوارئ والاستعداد لموسم الأمطار.
ركام ومخيمات ومخاطر متصاعدة
ولا تقف المخاطر عند حدود تراجع قدرة البلدية على تشغيل آلياتها، إذ حذرت لجنة طوارئ الشتاء من أن مئات الآلاف من السكان والنازحين يعيشون داخل خيام ومراكز إيواء ومساكن مؤقتة، كثير منها يقع في مناطق منخفضة وهشة، ولا يوفر الحد الأدنى من الحماية أمام الرياح والأمطار الغزيرة.
ووفق البيان الصادر عن اللجنة، فإن أكثر من 17 مليون طن من الركام ما زالت تجثم فوق أحياء المحافظة المدمرة، وتشكل خطراً بيئياً وإنسانياً، فضلاً عن إعاقتها جهود فتح الطرق وتنفيذ التدخلات الطارئة وتصريف مياه الأمطار.
كما أشارت إلى أن شبكات الطرق والصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار تعرضت لأضرار واسعة، فيما أدى الاستهلاك المتواصل للمولدات الكهربائية وعدم توفر قطع الغيار إلى خروج عدد منها عن الخدمة، ما يهدد بتراجع إضافي في قدرة المؤسسات الخدماتية على التدخل خلال المنخفضات الجوية.
وحذرت اللجنة من أن أي هطول مطري كثيف قد يتحول إلى تهديد مباشر لحياة السكان، في ظل تداخل عوامل الدمار والنزوح وتراجع الخدمات، وعدم قدرة الطواقم المحلية على الوصول إلى جميع المناطق المتضررة بالسرعة والكفاءة المطلوبتين.
نداء لإنقاذ ما تبقى
وأمام هذه التحديات، وجه رئيس البلدية نداءً إلى المجتمع الدولي والمؤسسات الإنسانية والجهات المانحة، للتحرك العاجل والضغط من أجل السماح بإدخال المعدات والآليات المحتجزة على المعابر، وتوفير الوقود والزيوت وقطع الغيار والمولدات الكهربائية، بما يمكّن البلديات من استعادة الحد الأدنى من قدراتها التشغيلية.
وشدد البطة على أن الحديث عن حقوق الإنسان يفقد معناه في ظل استمرار حرمان السكان من احتياجات أساسية، ومنع إدخال معدات ضرورية لإنقاذ حياتهم، قائلاً إن المطلوب هو "إنقاذ الناس حقيقة لا شعاراً"، في إشارة إلى الفجوة بين النداءات الإنسانية والاحتياجات الفعلية على الأرض.

وأكد أن طواقم البلدية، رغم ضعف الإمكانات وغياب الأمان، تواصل العمل على مدار الساعة، وتحاول تقديم ما تستطيع من خدمات اعتماداً على جهود العاملين والحلول المتاحة، معرباً عن أمله في استجابة دولية عاجلة قبل اشتداد المنخفضات الجوية.
وطالبت لجنة طوارئ الشتاء بإدخال الآليات الثقيلة ومعدات الطوارئ والإنقاذ، وضمان تدفق الوقود والزيوت وقطع الغيار والمولدات بصورة منتظمة، إلى جانب دعم خطط الاستجابة الشتوية وتوفير مستلزمات الإيواء والحماية للعائلات النازحة والمتضررة.
كما دعت المواطنين إلى الابتعاد عن المناطق المنخفضة ومجاري السيول وأماكن تجمع المياه، والالتزام بإرشادات السلامة العامة والتعاون مع طواقم الطوارئ والبلديات.


