لا تبدو جدران منزل محمد التلتولي المتضرر في حي النصر شمال غرب مدينة غزة مجرد أجزاء من بناء يحتاج إلى ترميم، إنها خط الدفاع الأخير بين أسرته والمطر والبرد. يقف الرجل قرب ما بقي من بيته، يتفقد الشقوق والفراغات التي خلّفها القصف، ثم يعود إلى العمل في محاولة لإغلاق الجوانب المكشوفة بما تيسر من مواد.
لم تعد وسائل التغطية المؤقتة كالأغطية القماشية والخشب كافية، كما أن الحصول على الإسمنت ومواد البناء اللازمة لإصلاح الأضرار أمر أشبه بالمستحيل مع استمرار منع الاحتلال الإسرائيلي إدخال هذه المواد إلى غزة رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار قبل أكثر من عام، لذلك يحاول التلتولي تدبير حماية أولية للغرف التي ما زالت قابلة للاستخدام، باستخدام الطين لبناء الحجارة خشية أن تتسلل مياه المطر إلى أماكن نوم أسرته أو أن تزيد الرطوبة من تدهور الجدران.
يقول التلتولي لصحيفة "فلسطين": "كل ما أريده أن أبقي المطر خارج الغرفة، وأن تمرّ الليالي الباردة من دون أن يستيقظ أطفالي على الماء حولهم. نعرف أن ما نستطيع فعله الآن لا يعيد البيت كما كان، لكنه محاولة لحماية ما تبقى إلى أن تتاح مواد الترميم".
ويضيف التلتولي: "نرقّع المكان بما نجده، لا لأن هذه المواد تكفي، بل لأننا لا نستطيع ترك الجدران مفتوحة للريح والمطر. نحن بحاجة إلى حل آمن، لا إلى بناء مؤقت نخشى عليه مع كل منخفض".
وتحوّلت الأمطار في المنازل المتضررة إلى مصدر قلق متكرر؛ فالمياه تدخل من الفتحات والشقوق، وتتجمع في الغرف المكشوفة، فيما يضطر السكان إلى نقل الأغطية والأثاث ووضع أوعية لاحتواء التسرب. وبينما يحاول الأهالي تدعيم ما يمكن تدعيمه، تبقى هشاشة المباني وخطر انهيار الأجزاء المتصدعة من أبرز المخاوف مع اشتداد الرياح وتواصل الهطول.
جدران من الطين لمواجهة البرد
في منزل مصطفى العف في شارع المشتل غرب مدينة غزة، لم ينتهِ أثر القصف عند الأضرار التي أصابت أجزاء من البناء؛ فالشتاء يقترب، والجدران المتضررة تترك الأسرة أمام أسئلة يومية عن كيفية حماية الغرف من المطر والهواء البارد. دمّر الاحتلال المنزل جزئيا، فعاد العف إلى ترميم الجدران المتضررة وبنائها من جديد، مستخدما الطين بدلاً من الإسمنت، في محاولة لتجهيز البيت قبل حلول الموسم البارد.
يجمع العف ما توافر لديه من الحجارة والطين، ويصفّها صفا بعد صف ليغلق المساحات المكشوفة. ليست العملية ترميما كاملا، ولا تعويضا عن مواد البناء المفقودة؛ إنها جهد يدوي لتوفير ساتر أولي حول غرف يريد لأسرته أن تجد فيها قدرا من الحماية عندما تهطل الأمطار.
ومع كل طبقة يضيفها إلى الجدار، يحاول العف أن يوازن بين ضيق الوقت وقلة الإمكانات. فالطين في هذه الحالة، ليس اختيارا هندسيا مفضلا على الإسمنت، بل مادة متاحة يلجأ إليها بعدما تعذر إصلاح المنزل بالمواد المعتادة. ويظل القلق حاضرا: هل ستصمد الجدران أمام المطر؟ وهل ستبقى الغرف جافة إذا اشتدت الرياح؟ تلك أسئلة لا تملك الأسرة ترف تأجيلها إلى حين توفر حل مثالي.
ويقول العف لصحيفة "فلسطين": "حين رأيت أجزاء البيت مفتوحة على السماء، لم أفكر في شكل الجدار؛ فكرت كيف سأحمي أسرتي من أول ليلة مطر. بنيت بالطين لأنه ما استطعت الوصول إليه، لا لأنه يغنيني عن الإسمنت أو عن ترميم آمن".
ويضيف العف: "كل طوبة أضعها هي محاولة لتأخير دخول البرد والماء إلى البيت. لا أريد أن أستقبل الشتاء ونحن نضع الأوعية تحت التسرب وننقل فراشنا من زاوية إلى أخرى. أريد جدارا يحمي عائلتي، لكن ما أفعله الآن حل اضطراري، وليس بديلا عن إعادة بناء المنزل كما ينبغي".
وتعكس تجربة العف حال أسر كثيرة تحاول معالجة الأضرار بما تملكه من مواد وأيدٍ عاملة، في وقت لا تتناسب فيه الحلول الفردية مع حجم الخراب أو مع المخاطر التي قد تترتب على ترميم مبانٍ متضررة بمواد غير مخصصة للبناء الآمن. ومع كل توقع بمنخفض جوي، تصبح الجدران والسقوف غير المستقرة مصدر تهديد إضافي، لا سيما حين تتجمع المياه قرب الأساسات أو تتسرب إلى غرف السكن.
ولا تقتصر المشكلة على حماية الجدران. فمياه الأمطار تتجمع في الشوارع والأحياء، ويزيد الركام من صعوبة الحركة وتصريف المياه، بينما تحتاج أعمال فتح الطرق وإزالة الأنقاض وإصلاح شبكات الصرف إلى آليات ومعدات لا تتوافر بالقدر الكافي. وفي ظل ذلك، يلجأ السكان إلى حلول محدودة بأيديهم لسد الفتحات أو حماية ما تبقى من مساكنهم.
حل مؤقت لا يغني عن الترميم
بدوره، يوضح مهندس البناء محمد الخالدي، الذي يملك خبرة تمتد لأكثر من 25 عاما في المجال، أن استخدام الطين المتاح في إصلاح أجزاء من المنازل يعكس اضطرارا فرضته الظروف ونقص مواد الإعمار، ولا يمكن اعتباره بديلا مكافئا للمواد الإنشائية المعتمدة. ويشير إلى أن طبيعة كل مادة وطريقة استخدامها وموقع الجدار وحالته عوامل حاسمة في تقدير مدى صموده.
ويقول الخالدي لصحيفة "فلسطين": "قد يتيح الطين أو بعض المواد المتاحة سدّ فراغات محدودة أو تثبيت أحجار لفترة قصيرة، لكن ذلك لا يمنح الجدار مقاومة الإسمنت ولا يجعله آمنا إذا كان يحمل أوزانا أو يتعرض مباشرة للأمطار. والمواد الترابية تمتص الماء، وقد تفقد تماسكها وتتشقّق أو تنهار مع تكرار الهطول، خصوصا عند غياب تصريف مناسب".
ويحذر الخالدي من التعامل مع هذه الوسائل بوصفها ترميما إنشائيا، موضحا أن الجدران المتضررة أصلا تحتاج إلى تقييم فني، وأن الاعتماد على مواد مؤقتة قد يزيد الأخطار إذا استُخدمت في مواضع تتحمل أوزانا أو إذا تُركت من دون حماية من المياه. كما أن تكرار المنخفضات الجوية قد يسرّع تدهور الجدار، حتى إن بدا متماسكا في الأيام الأولى.
ويضيف الخالدي: "العودة إلى حلول بدائية ليست خيارا هندسيا، بل علامة على أن الناس محرومون من مواد الترميم المناسبة. الأولوية هي توفير الإسمنت والحديد ومستلزمات الإصلاح، إلى جانب معدات إزالة الركام وتصريف المياه، حتى لا يضطر السكان إلى المخاطرة بأنفسهم وبأسرهم في محاولات ترميم غير آمنة".
وتبقى حماية المنازل المتضررة من الشتاء رهنا بتأمين حلول ترميم ملائمة، لا بقدرة السكان وحدهم على سد الشقوق وإقامة جدران مؤقتة. فكل جدار يُبنى بمواد غير مناسبة قد يخفف تسربا عابرا، لكنه لا يضمن سلامة المنزل، فيما يظل توفير مواد البناء والمعدات الفنية ضروريا لتقليل الأخطار وإعادة تأهيل المساكن.