هناك أيام يستيقظ فيها الإنسان وكأن الحياة وضعت على كتفيه كل أعبائها دفعة واحدة.
يفكر في احتياجات أسرته، وما ينتظره من التزامات، وما تعطل من خططه، وما يخشاه في الأيام القادمة. ينتقل من مشكلة إلى أخرى في ذهنه، حتى قبل أن يبدأ يومه فعليًا، فيشعر بالإرهاق وكأنه خاض معركة طويلة.
*وفي غزة، قد تتزاحم الاحتياجات إلى درجة تجعل الإنسان حائرًا من أين يبدأ، خصوصًا حين تكون الإمكانات محدودة، والظروف غير مستقرة، وبعض المشكلات خارج نطاق سيطرته تمامًا*.
المشكلة هنا ليست دائمًا في كثرة الأعباء وحدها، بل في محاولتنا أحيانًا أن نحملها جميعًا في اللحظة نفسها، وأن نجد لكل سؤال إجابة، ولكل مشكلة حلًا، ولكل خوف ضمانة.
لكننا بشر، ولسنا مطالبين بحل الحياة كلها في يوم واحد.
كيف نخفف هذا الحمل عن أنفسنا؟
أولًا: أخرج المشكلات من رأسك إلى الورق.
عندما تتزاحم الأفكار، تبدو المشكلات أكبر وأكثر تشابكًا. خصص بضع دقائق لكتابة ما يشغلك، دون ترتيب أو محاولة للحل. ستساعدك هذه الخطوة على رؤية الأعباء بصورة أوضح، بدلًا من الدوران المتواصل داخلها.
ثانيًا: قسّم ما يشغلك إلى ثلاث مجموعات.
ما تستطيع فعله اليوم، وما يحتاج إلى وقت أو مساعدة، وما لا تستطيع التحكم فيه حاليًا.
ابدأ بالمجموعة الأولى، وضع خطة واقعية للثانية، وحاول ألا تستنزف طاقتك في مطاردة ضمانات لا تملكها بشأن الثالثة.
هذا لا يعني الاستسلام، بل التمييز بين المسؤولية التي تقع عليك، والظروف التي لا تستطيع تغييرها بإرادتك وحدها.
ثالثًا: اختر مهمة واحدة صغيرة.
لا تقل لنفسك: «يجب أن أرتب حياتي كلها». قل: «ما الخطوة المفيدة التي أستطيع إنجازها الآن؟».
قد تكون مكالمة ضرورية، أو ترتيب أمر منزلي، أو مساعدة طفل في واجبه، أو تخصيص وقت للراحة. الإنجاز الصغير لا يحل كل المشكلات، لكنه يعيد إليك شيئًا من الشعور بالقدرة على الفعل.
رابعًا: اسمح لنفسك بالراحة دون تأنيب.
الراحة ليست مكافأة لا تستحقها إلا بعد الانتهاء من جميع واجباتك؛ فبعض الواجبات قد لا تنتهي قريبًا. والإنسان المنهك قد يحتاج إلى وقت ليستعيد قدرته على التفكير والعمل. وإذا لم تكن الظروف تسمح براحة طويلة، فقد تساعدك استراحة قصيرة، أو لحظات من التنفس الهادئ، أو الحديث مع شخص تثق به.
خامسًا: لا تواجه كل شيء وحدك.
طلب المساعدة ليس دليلًا على العجز. أحيانًا تكون مشاركة المسؤولية، أو الاستعانة بشخص موثوق، أو طلب الدعم المتخصص عند الحاجة، خطوة أكثر حكمة من الاستمرار في الصمت حتى الإنهاك.
وإذا استمر القلق إلى درجة تعطل النوم أو الحياة اليومية، فلا تتردد في طلب مساعدة نفسية مناسبة.
لسنا بحاجة إلى إنكار صعوبة الواقع، ولا إلى إقناع أنفسنا بأن كل شيء سيكون سهلًا. نحن بحاجة إلى أن نتعامل مع ما نستطيع فعله، وأن نمنح أنفسنا حق التدرج، وألا نحاكم أنفسنا لأننا لم نستطع إنجاز ما يفوق طاقتنا.
تذكّر: ليس مطلوبًا منك أن تنهي كل مشكلاتك اليوم؛ المطلوب أن تعرف ما الخطوة الممكنة اليوم، ثم تمنح نفسك فرصة للبدء من جديد غدًا.
فأحيانًا، لا تبدأ استعادة التوازن بحل المشكلة الكبرى، بل بالتوقف عن محاولة حلها كلها دفعة واحدة.


