فلسطين أون لاين

بعد ساعات من وداع زوجها وابنتها.. رصاص الاحتلال ينهي حياة نورة شيخ العيد

...
من وداع جثمان نورة شيخ العيد في مستشفى ناصر بخانيونس

لم تكن نورة سليمان محمد شيخ العيد (54 عامًا) تعلم أن وداعها لزوجها المريض عطا الله عبد الواحد أبو عاذرة، وابنتها هبة (19 عامًا)، طالبة الطب، صباح أمس، سيكون الوداع الأخير، وأنها لن تعود إلى منزلها لتنتظر اتصالهما أو تطمئن على رحلة سفرهما إلى مصر، بعدما أصابتها رصاصة أطلقها جنود الاحتلال الإسرائيلي صوب منطقة مفترق بئر 19 جنوبي قطاع غزة، لتفارق الحياة بعد ساعات قليلة من توديع أحبّتها.

في مشهد تختلط فيه قسوة الفقد بمرارة النزوح، تحولت فرحة العائلة بسفر ابنتها لمواصلة دراستها الجامعية ومرافقة والدها المريض إلى فاجعة جديدة، بعدما تلقت خبر استشهاد نورة، حين كانت ابنتها لا تزال في طريقها إلى مصر، دون أن تعلم أن والدتها التي ودعتها في الصباح لن تكون في انتظار عودتها.

وداع أخير

يستعيد شقيق الشهيدة، محمد شيخ العيد، تفاصيل الساعات الأخيرة من حياتها، قائلاً إن نورة توجهت عند الساعة السادسة صباحًا إلى مقر الهلال الأحمر، حيث ودعت ابنتها هبة وزوجها المريض، اللذين غادرا قطاع غزة إلى مصر، قبل أن تعود باتجاه منطقة سكنها.

ويضيف لصحيفة ”فلسطين”: “بعدما ودعت ابنتها وزوجها، وفي أثناء عودتها عند مفترق بئر 19، أصابتها رصاصة أطلقها الاحتلال، فاستشهدت”.

ويؤكد أن الجريمة الإسرائيلية وقعت في منطقة بعيدة عن ما يسمى الخط الأصفر بنحو كيلومترين، ولا تشهد وجودًا عسكريًا، مشيرًا إلى أن المنطقة يسكنها مدنيون ونازحون لا علاقة لهم بأي أحداث أو مواجهات، ومع ذلك تتكرر فيها حوادث إطلاق النار ووقوع الضحايا.

ويقول بمرارة: “لم نعد قادرين على تحمل ارتقاء الشهداء كل يوم برصاص الاحتلال، دون أي سبب، هؤلاء مدنيون أبرياء، نساء وأطفال وأناس لا علاقة لهم بما يجري، فلماذا يُقتلون؟”.

WhatsApp Image 2026-11-05 at 7.12.58 PM33.jpeg
 

ويشير محمد إلى أن عائلته نزحت قسرا من مدينة رفح إلى مواصي خانيونس بحثًا عن النجاة، لكنها لم تجد الأمان الذي كانت تأمله، إذ سبق أن فقدت عددًا من أفرادها، بينهم شقيقه وابنه وابن شقيقه، مؤكدًا أن إطلاق النار المتكرر بات مصدر رعب دائمًا للعائلات، حتى إنهم يضطرون إلى البقاء ساعات طويلة في أماكن منخفضة اتقاءً للرصاص.

ويوجه نداءً إلى المجتمع الدولي وكل الجهات المعنية بضرورة التدخل لوقف إطلاق النار على المدنيين، قائلاً: “هذه الناس أبرياء، لا علاقة لهم بأي شيء، لماذا يموتون كل يوم؟ نريد أن يتوقف إطلاق النار العشوائي، فالنساء والأطفال يموتون حتى داخل خيام نزوحهم، وأناس يقتلون وهم نائمون”.

فاجعة تتجدد

أما شقيقتها سهير سليمان شيخ العيد، فلم تستطع إخفاء حجم الصدمة التي أصابت العائلة، بعدما تحولت لحظات اجتماعهم لتوديع هبة ووالدها إلى وداع لنورة نفسها، دون أن يدركوا ذلك.

وتقول إن العائلة اجتمعت قبل سفرهما، وكانت شقيقتها بينهم، يتبادلون الحديث حول الرحلة، دون أن يخطر ببال أحد أن الخبر المفجع ينتظرهم بعد ساعات قليلة.

وتضيف لصحيفة ”فلسطين”، بصوت يختنق بالقهر: “كنا مجتمعين عند أختي لنودع بنتها، لكننا لم نكن نعلم أننا نودع أختنا هي، وليس ابنتها، والله عندما وصلنا خبر استشهادها صرخنا من شدة الصدمة، لم نستوعب ما حدث”.

وتشير سهير إلى أن استشهاد شقيقتها يأتي في ظل نزيف متواصل تشهده المنطقة، موضحة أنها أصيبت قبل نحو شهرين، فيما تتكرر الإصابات والشهداء بصورة يومية، وسط عجز السكان عن حماية أنفسهم وعائلاتهم.

وتقول بحرقة: “كل يوم عندنا إصابات وشهداء، أحيانًا 15 أو 20 إصابة في اليوم، وهناك من يفقدون أيديهم وأرجلهم، حرام، والله حرام! الناس في كل مكان تعيش مع أبنائها، ونحن في غزة محرومون من أبسط مقومات الحياة، لا ماء، ولا بيوت، ولا أمان”.

وتتساءل عن ذنب المدنيين الذين يدفعون ثمنًا لا يحتملونه، مؤكدة أن عائلتها فقدت شقيقًا واثنين من أبناء شقيقها، لتضاف نورة إلى قائمة الأحبة الذين انتزعتهم آلة الحرب الإسرائيلية من بينهم.

وتختتم نداءها بكلمات تختصر عجز العائلة ووجع آلاف الفلسطينيين: “أنقذوا أهل غزة، أنقذوا الناس، والله الناس تموت كل يوم، أنقذونا يا شعوب العالم، أنقذونا يا دول، الناس لم تعد تحتمل، وكل يوم نودع شهداء”.

هكذا انتهت رحلة نورة في طريق عودتها من وداع زوجها وابنتها، بعدما خرجت في الصباح تحمل أمنية أن ينجو أحبّتها ويواصلوا حياتهم، لكنها لم تمهلها الساعات لتعيش فرحة سفر ابنتها، فغادرت الحياة تاركة خلفها خمس بنات وعائلة مثقلة بالفقد، وفتاة في التاسعة عشرة من عمرها بدأت رحلتها نحو دراسة الطب، لتجد نفسها أمام خبر استشهاد أمها، في مأساة تختصر حجم الوجع الذي يلاحق الفلسطينيين حتى في لحظات الوداع والأمل.

المصدر / فلسطين أون لاين