لم تعد الخلافات التي تعصف بالمشهد السياسي الصهيوني بعد الانتخابات مجرد خلافات تقليدية على تشكيل الحكومة أو توزيع المناصب والنفوذ، ولا يمكن اختزالها في صراع بين أحزاب تتنافس على المقاعد والحقائب.
فحدة المواجهة بين مكونات المنظومة السياسية، واتساع الهوة بين رؤاها، يكشفان عن أزمة أعمق تتصل بالسؤال الذي ظل مؤجلاً في إسرائيل: أي دولة يريد الإسرائيليون؟ وما الهوية التي ينبغي أن تحكم مستقبلها؟
منذ قيام دولة الإحتلال، جرى تقديمها باعتبارها دولة ذات مشروع وهوية محددين، لكن التناقضات التي تراكمت داخل المجتمع والسياسة، بين التيارات الدينية والعلمانية، واليمين والوسط، والمؤسسات القضائية والتنفيذية، وبين من يتمسكون بصيغتها الديمقراطية الليبرالية ومن يدفعون نحو دولة أكثر تطرفاً وتديناً وقومية، جعلت هذا التعريف موضع صراع متصاعد. وما نشهده اليوم قد يكون من أكثر اللحظات حساسية في تاريخها، لأن الخلاف لم يعد بشأن إدارة الدولة فحسب، بل بشأن طبيعتها وحدود سلطاتها وموقع الدين والقومية والقانون فيها.
وتزداد خطورة هذا الصراع في ظل تمسك بنيامين نتنياهو وشركائه في اليمين الديني والقومي بمشروع سياسي يريد إعادة تشكيل مؤسسات الدولة وموازين القوة داخلها، وتوسيع نفوذ التيارات الأكثر تشدداً، وتكريس رؤية لا تقف عند حدود تغيير السياسات الحكومية، بل تمتد إلى إعادة تعريف إسرائيل نفسها. في المقابل، ترى قوى سياسية واجتماعية واسعة أن هذا المسار يهدد ما تعتبره أسس النظام الإسرائيلي، ويقوض استقلال المؤسسات، ويفتح الباب أمام تركيز السلطة في يد الحكومة.
هنا تتجاوز الأزمة الحسابات الحزبية لتصبح صراعاً على الشرعية ومصادر القوة.
فكل طرف ينظر إلى الطرف الآخر باعتباره تهديداً لمستقبل الدولة، ومع تراجع الثقة بالمؤسسات واتساع الاستقطاب، تزداد احتمالات الاحتجاجات والتصادم الداخلي وتعطل مؤسسات الحكم. الفوضى ليست حتمية، لكنها احتمال يزداد مع انسداد التسوية السياسية.
ولا يمكن فصل هذا المشهد عن تداعيات الحرب الإجرامية على قطاع غزة، وما كشفته من إخفاقات سياسية وأمنية وعسكرية، ومن أسئلة عميقة بشأن القيادة والمسؤولية والقدرة على تحقيق الأهداف المعلنة.
فالحرب لم توحد المجتمع الصهيوني بصورة دائمة، كما لم تنه الخلافات التي سبقتها؛ بل أعادت طرحها بصورة أكثر حدة، وأظهرت التباين بين من يريدون مواصلة النهج العسكري وتوسيع المواجهة، ومن يرون أن استمرار الحروب لا يقدم حلاً سياسياً ولا يضمن الأمن.
وفي مثل هذه البيئة، تبرز مخاوف من أن تتحول الجبهات الخارجية إلى وسيلة للهروب من المأزق الداخلي.
فافتعال مواجهة أو توسيع حرب قائمة قد يمنح القيادة فرصة لتوحيد قطاعات من الجمهور خلف خطاب التهديد، وتأجيل مساءلة الحكومة، وإعادة ترتيب الأولويات السياسية والأمنية.
وقد لا يكون قرار الحرب بالضرورة نتيجة خطة متفق عليها، لكن من الخطأ تجاهل أن بعض القيادات قد ترى في التصعيد الخارجي فرصة لتعزيز موقعها الداخلي أو فرض وقائع جديدة.
ومن هنا تكتسب فكرة "إسرائيل الجديدة" التي يدفع نتنياهو وشركاؤه باتجاهها خطورتها؛ فهي، وفق قراءة هذا المسار، لا تكتفي بتغيير شكل الحكم، بل تسعى إلى فرض معادلات إقليمية جديدة، وتوسيع هامش القوة العسكرية، والتعامل مع الحقوق الفلسطينية باعتبارها عقبة ينبغي تجاوزها لا قضية سياسية وقانونية يجب حلها. وفي سبيل ذلك قد تصبح كلفة التصعيد، داخلياً وخارجياً، أمراً ثانوياً أمام الحفاظ على المشروع السياسي ومكتسباته.
لكن الرهان على القوة والحروب لا يلغي التناقضات، بل قد يضاعفها. فالمجتمعات التي تتسع فيها فجوات الهوية والثقة لا تستعيد تماسكها بمجرد نقل الصراع إلى الخارج، كما أن الانتصارات العسكرية، إن تحققت، لا تمنح بالضرورة شرعية سياسية دائمة ولا تعالج أزمات الحكم والاقتصاد والعلاقات بين مكونات المجتمع.
بالنسبة للفلسطينيين، لا ينبغي قراءة هذه الخلافات بوصفها مؤشراً تلقائياً على تراجع الخطر الصهيوني أو اقتراب تغيير جوهري في سياساته. فالتنافس بين القوى الصهيونية قد يدور حول أدوات إدارة الصراع وحدود استخدام القوة، لا حول إنهاء الاحتلال أو الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية. وقد يكون انتقال الأزمة إلى ساحات خارجية سبباً في تصعيد الاعتداءات وتوسيع دائرة المواجهة، لا مدخلاً إلى التهدئة.
إن "إسرائيل" تقف أمام اختبار يتجاوز نتائج الانتخابات وتوازنات الكنيست؛ إنه اختبار لهوية الدولة وشكل نظامها ومستقبل مجتمعها. وكلما تعمق الانقسام، ازدادت احتمالات الاضطراب الداخلي والتصعيد الإقليمي. لذلك فإن السؤال الأهم ليس من سينجح في تشكيل الحكومة، بل أي مشروع سينتصر، وما الثمن الذي سيدفعه الصهاينة والمنطقة والشعب الفلسطيني في سبيله. فحين تتحول هوية الدولة إلى ساحة صراع مفتوح، تصبح الفوضى احتمالاً قائماً، وتغدو الحروب الخارجية إحدى الأدوات التي قد تلجأ إليها القيادة لتثبيت واقع جديد، مهما بلغت كلفته.


