لم تكن تعلم والدة الطفل محمد حسام شاهين (12 سنة) أن خروج صغيرها للعب أمام المنزل بمخيم المغازي وسط قطاع غزة، مع أصدقائه سيكون آخر عهده بالحياة، وأن رصاصة طائرة إسرائيلية (كواد كابتر) ستختار طفلها من بين أصدقائه، بعدما تحولت لحظات اللعب والضحك إلى مأساة انتهت باستشهاده، قبل أن يحقق أحلام طفولته، ليبقى مشهد سقوطه أرضًا مضرجًا بدمائه محفورًا في ذاكرتها إلى الأبد.
كان محمد يعيش يومًا عاديًا يوم ٢٣ أكتوبر/ تشرين أول ٢٠٢٦، بدأه منذ ساعات الصباح الأولى بمساعدة أسرته في جلب مياه الشرب، إذ اعتاد الانتظار ساعات طويلة حتى يتمكن من تعبئة المياه والعودة بها إلى المنزل، قبل أن يتناول إفطاره ويشرب كأسًا من الشاي، ثم يتوجه إلى مدرسته.
وبعد عودته، قصد المسجد لتسميع سورة الشرح ضمن حلقات تحفيظ القرآن، ثم رجع إلى المنزل، إذ وجد متسعًا من الوقت للعب مع أصدقائه أمام البيت، في منطقة اعتقدت أسرته أنها آمنة، لوقوعها خارج نطاق المناطق الصفراء، بالرغم من سماع أصوات إطلاق نار متقطعة من مسافات بعيدة، بالتزامن مع توغل دبابات الاحتلال في منطقة المصدر.
لكن تلك اللحظات لم تكتمل؛ فبينما كان محمد يلهو مع أقرانه، سقط فجأة على الأرض، بالتزامن مع وصول والده الذي فوجئ بمشهد صغيره وقد نزف الدم من رأسه.
تقول والدته لصحيفة "فلسطين"، وهي تستعيد اللحظات الأكثر قسوة في حياتها: "خرجت مسرعة من المنزل على وقع صراخ الأطفال، فوجدته ملقى على الأرض، غارقًا بدمائه وفاقدًا للوعي، في مشهد لم أتمالك نفسي من الصدمة وكأن قلبي سقط على الأرض، فصرخت من هول الصدمة".
لم ينتظر والده قدوم سيارة الإسعاف فحمله على الفور، وتوجها به إلى المستشفى، بسيارة عابرة على الطريق، في حين كانت الأسرة تتشبث بأي أمل في إنقاذ حياته، كان محمد يلفظ أنفاسه بين ذراعي والده، اللتين كانتا دائما تحرسانه.
وعند وصوله إلى المستشفى، أُدخل محمد إلى غرفة العناية المكثفة، نظرًا لخطورة إصابته، ومكث فيها يومًا واحدًا، عاش خلاله أفراد أسرته حالة ترقب، مستنفرين كل ما لديهم من أمل ودعاء لإنقاذه، حتى بزوغ الفجر، على أمل أن يستعيد وعيه ويعود إليهم.

نظرة وداع أخيرة
وفي اليوم التالي، زارته والدته في المستشفى، دون أن تدرك أنها ستكون النظرة الأخيرة إليه، وأنها لن تراه بعدها إلا محمولًا على الأكتاف. وبعد عودتها إلى المنزل، تلقت الأسرة اتصالًا أبلغها باستشهاد محمد، لتنهار الأم تحت وطأة الصدمة، وتدخل في نوبة من الصراخ والبكاء، قبل أن تواجه المشهد الأكثر إيلامًا بوصول صغيرها إلى المنزل محمولًا على أكتاف المشيعين، لتلقي عليه نظرة الوداع الأخيرة.
لم يكن خوف والدة محمد عليه عاديًا، فهو ابنها الوحيد ولديها ثلاث بنات، وكانت تحرص على إبقائه بالقرب منها، وتراقب تحركاته خشية أن يصيبه مكروه مع القصف المستمر.
تستعيد لحظات من محاولاتها لحمايته: " كلما سمعت صوت إطلاق نار أو حركة للطيران كنت أهرع إليه مسرعة، وأدخله المنزل خوفًا عليه، فكنت أخاف عليه كثيرًا، وكلما سمعت صوت رصاص أو طيران أركض نحوه حتى أدخله إلى المنزل، وأحرص دائمًا على أن يبقى بجانبي، ولم أكن أحب أن يبتعد عن عيني".
ولم يعش محمد طفولة مستقرة، فقد دمرت طائرات الاحتلال منزل الأسرة في نهاية عام 2023، خلال الاجتياح البري الأول، واضطرت الأسرة إلى النزوح وفقد ألعابه وذكرياته التي كانت تملأ أرجاء البيت، قبل أن تستقر لاحقًا في غرفة صغيرة داخل منزل العائلة.
وبالرغم من قسوة الظروف، ظل محمد طفلًا محبًا للحياة، حريصًا على إسعاد من حوله، وكان لوجوده على مائدة الطعام طقوسه الخاصة التي لا تنساها والدته، إذ اعتاد ممازحة شقيقاته وإطعامهن بيده، في أجواء عائلية كانت تضفي على البيت بهجة خاصة.
وعلى الرغم من صغر سنه تصفه بأنه كان بارًا بأسرته، لا يتأخر عن تلبية احتياجات المنزل، ويسارع إلى مساعدة أشقائه وأعمامه وجيرانه، حتى أطلق عليه المحيطون به لقب "سبيد" (Speed)، تعبيرًا عن سرعته في الاستجابة وتلبية طلبات الآخرين، وحبه الدائم لتقديم المساعدة.
كما كان محبوبًا بين جيرانه وأصدقائه، لا يفرق بين الصغار والكبار، ويحترم الجميع، وكان ملتزمًا بحلقات تحفيظ القرآن، ويحب اللعب مع أصدقائه، خصوصًا كرة القدم والسباحة، ويجد متعته في قضاء وقته معهم.

حاضر رغم الغياب
مضى أسبوعان على رحيله ولم تستوعب الأسرة حتى الآن أنه فارق الحياة، فحضوره ما زال يملأ تفاصيل حياتهم اليومية، رغم غيابه عن المنزل.
بقلب مكلوم تقول والدته: "لا نستطيع أن نتخيل أنه رحل. روحه ما زالت حاضرة بيننا، وأشعر أنه موجود في كل زاوية من البيت، حتى إن نفسي لا تطاوعني على زيارته في المقبرة؛ لأنني أعد أنه ما زال يعيش معنا، وكأن ما حدث مجرد حلم لم أستطع الاستيقاظ منه".
يملأ الحزن قلبها: " أكثر ما يؤلمني أنه رحل قبل أن يعيش طفولته كما كان يتمنى، فأحلامه لم تكن كبيرة، بل كان كل ما تتمناه له أن يعيش بأمان، بعيدًا عن الخوف والألم والفقد، مثل بقية أطفال العالم.
وتستعيد الأم صورة صغيرها الذي كان يملأ المنزل حركة وضحكًا، ويسارع إلى تلبية احتياجات الجميع، قبل أن يتحول حضوره اليوم إلى ذكريات تتوزع بين مائدة الطعام، وزوايا الغرفة الصغيرة، وأماكن لعبه المعتادة.
رحل محمد، وبقي لقبه الذي أطلقه عليه أحباؤه شاهدًا على سرعة استجابته لمساعدة الآخرين، وبقيت أمه تنتظر عودته، بالرغم من أنها تعرف أن الباب الذي كان يخرج منه للعب لن يستقبله مرة أخرى.


