☰
✕

قائمة الموقع

نازحو غزة.. وجع الحياة خلف أقمشة الخيام

2026-11-05T10:53:00+02:00
نازحو غزة.. وجع الحياة خلف أقمشة الخيام
فلسطين أون لاين

لم يكن فقدان المنزل نهاية المعاناة بالنسبة للعائلات النازحة قسرا في قطاع غزة، بل بداية فصل آخر تتداخل فيه أوجاع الفقد والمرض والفقر، مع قسوة العيش في خيام لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء، وتفتقر إلى أبسط مقومات الحياة والخصوصية.

هناك، يتحول تأمين المياه والطعام والعلاج، وحتى استخدام دورات المياه، إلى تحديات يومية تستنزف ما تبقى من طاقة النازحين.

داخل خيمتها، تحاول أم حسين أبو جراد، وهي أم لست بنات، مواجهة أعباء الحياة بمفردها، بعدما فقدت زوجها وابنها خلال الحرب، ودمر القصف منزلها، لتجد نفسها أمام مسؤولية إعالة بناتها الست مع غياب السند والمعيل وتكرار محطات النزوح.

تستعيد أم حسين رحلتها مع النزوح بكلمات تختصر حجم الإنهاك الذي خلفته التجربة، قائلة لصحيفة "فلسطين": "مش قادرة أوصف لك الحياة في النزوح، النزوح اللي بعيشه الشعب الفلسطيني، ولا سيما في غزة، مش مجرد مرة أو مرتين، بل حياة كاملة من الانتقال من مكان لآخر، في الصيف والشتاء، حتى إننا نضطر للبحث عن أماكن بعيدة عن السيول ومياه الأمطار خوفًا من غرق خيامنا".

وخلال الحرب، أجبرت على النزوح مرتين، قبل أن ينتهي بها المطاف في خيمة بعدما فقدت منزلها. وبينما تحاول التكيف مع واقعها، لا تكف عن التفكير في العائلات التي تنقلت عشر مرات أو أكثر، متسائلة عن حجم ما تحمله أفرادها من أعباء نفسية وجسدية بعد كل رحلة اقتلاع جديدة.

وتضيف: "الحياة داخل الخيمة ليست مجرد إقامة مؤقتة، بل معاناة تمتد إلى أدق التفاصيل اليومية، في ظل انعدام الخصوصية وقسوة الطقس، متابعة: "في الصيف، بتصحى من الصبح على حر الخيمة، وبتصير مثل الفرن من الساعة الثامنة، وفي الشتاء المي بتدخل من كل مكان، وبتقومي تلاقي الفرش مبتل، وما في مكان تروحي عليه أو تحتمي فيه".

ولا تقف معاناتها عند تقلبات الطقس، فهي تعاني مرض السكري، وتجد صعوبة في توفير العلاج والرعاية اللازمة، فيما تتفاقم مشكلاتها الصحية بفعل الرطوبة والحرارة والبرد وقلة المياه، موضحة أن الخيام أصبحت بيئة تنتشر فيها الأمراض والالتهابات، في ظل صعوبة الحصول على مستلزمات النظافة والرعاية الصحية.

كما يتطلب الوصول إلى المياه المشي مسافات طويلة لتعبئة جالون، في حين تضطر إلى الانتظار في طوابير طويلة لاستخدام دورات المياه، وهو ما يضاعف معاناتها كامرأة تعيش مع ست بنات في مساحة ضيقة تفتقر إلى الخصوصية.

وتتابع: "أنا عندي ست بنات، وحتى أبسط الأمور صارت صعبة ومحرجة، من الوقوف على طابور الحمام إلى البحث عن المياه، وكل يوم بنواجه مشكلة جديدة".

وبالنسبة إليها، لم يعد الفقر مجرد عجز عن توفير المال، بل أصبح حالة مركبة من الحرمان، تجمع بين فقدان البيت والأرض والزوج والابن، والمرض وانعدام مصادر الدخل، وتؤكد أن غياب الزوج لا يعني فقدان شريك الحياة فحسب، بل فقدان الشخص الذي كان يساندها في أعباء النزوح، ويساعدها في بناء الخيمة وتعبئة المياه والوقوف في طوابير الحصول على الطعام، أو توفير مصدر دخل للأسرة.

وتختصر وجعها بقولها: "النزوح لحاله صعب، لكن لما يرافقه الفقد بصير الوجع أكبر، لما تكوني أرملة وعندك ست بنات، وما في حدا يسندك أو يساعدك، بتصيري شايلة كل شيء لحالك، حتى أبسط احتياجات الحياة".

أوجاع لا تجد علاجًا

وعلى مقربة من معاناة أم حسين، تعيش عطاف أبو رياش، البالغة من العمر 65 عامًا، فصولًا أخرى من الألم، بعدما نزحت قسرا من منزلها في بيت لاهيا شمال القطاع، وتنقلت بين محطات النزوح، قبل أن تستقر في خيمة بمدينة غزة، محملة بخسارات عائلية وأوجاع جسدية أثقلت حياتها.

لم تفقد عطاف منزلها ومكانها الذي اعتادت العيش فيه فحسب، بل فقدت زوجها وابنها خلال الحرب، كما استشهد زوج ابنتها، تاركين خلفهم أطفالًا أيتامًا بلا معيل، وجدوا أنفسهم أمام واقع قاسٍ يفتقر إلى الأمان والاستقرار.

وتجد عطاف نفسها أمام أعباء نفسية واجتماعية ثقيلة، وتقول لصحيفة "فلسطين": "لا يقتصر الأمر على مرارة فقدان أفراد من عائلتي، بل تمتد إلى القلق على أحفادي الأيتام واحتياجاتهم"، في وقت تعجز فيه هي نفسها عن توفير متطلبات الحياة الأساسية وسط ظروف النزوح وشح الإمكانات.

وإلى جانب ذلك، تواجه معاناة صحية متواصلة؛ إذ تشكو من مشكلات في غضاريف الظهر والروماتيزم في قدميها، فضلًا عن إصابتها خلال الحرب بشظايا في أنحاء متفرقة من جسدها، ما جعل الحركة أكثر مشقة، وزاد من صعوبة تحمل ظروف الحياة داخل الخيمة.

وتعيش المرأة الستينية في مكان لا تتوافر فيه مقومات الراحة، ولا يوفر الحماية الكافية من تقلبات الطقس، فيما تتضاعف احتياجاتها الصحية مع صعوبة الحصول على العلاج والرعاية المناسبة. فالمساحة الضيقة وغياب التجهيزات الأساسية يجعلان الخيمة بيئة مرهقة، خصوصًا لمن يعانون أمراضًا مزمنة وإصابات تحتاج إلى متابعة مستمرة.

في الخيام، لا يجد النازحون مكانًا يستريحون فيه من ثقل ما فقدوه، بل يواجهون واقعًا يعيد إنتاج المعاناة كل يوم، فلم يعد النزوح في غزة مجرد انتقال إجباري إلى مكان جديد، بل حياة مفتوحة على الخسارة والحرمان، تتجدد فيها المعاناة مع كل يوم.

اخبار ذات صلة