"كانت حياتي حلوة كثير وأنا بين عائلتي، كان عندي بيت دافئ، وأمي اللي تحضني، وأبي اللي يدللني، وأختي عائشة وأخي وليد كنت ألعب معهم كل يوم، ما كنت أعرف إن كل هالحياة ممكن تنتهي بلحظة، وإنني أصير الناجية الوحيدة من عائلتي".
بهذه الكلمات تستعيد الطفلة آلاء شحيبر ذكرياتها قبل الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني 2023، اليوم الذي انقلبت فيه حياتها رأسًا على عقب، وفقدت عائلتها كاملة في قصف إسرائيلي استهدف منزلهم، لتجد نفسها وحيدة أمام فاجعة لم تكن تدرك معناها، وجراح امتد أثرها من جسدها إلى أعماق ذاكرتها.
كانت آلاء، التي لم تتجاوز السابعة من عمرها آنذاك، تعيش مع أسرتها أجواء الخوف والنزوح القسري منذ اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة، ورغم أصوات القصف وصفارات سيارات الإسعاف التي لا تهدأ، ظل المنزل بالنسبة إليها مساحة دافئة تجمعها بأمها وأبيها وشقيقيها، وملاذًا تحتمي فيه بطفولتها.
في مساء ذلك اليوم، كانت البيوت تتعرض للقصف، في حين تتصاعد أصوات الانفجارات من كل اتجاه، وعند أذان العشاء، اجتمعت العائلة لأداء الصلاة، محاولةً التمسك بالطمأنينة وسط الخوف الذي أحاط بها.
تقول آلاء لصحيفة "فلسطين": "كنا نصلي جماعة، ومن شدة القصف والخوف ما قدرت أكمل صلاتي، قطعتها واستنيت أمي وأبي وإخوتي يخلصوا، عشان أروح أحضنهم لأشعر بالأمان، كنت بدي أكون جنب أمي وأبي، وأختي عائشة اللي كان عمرها ثلاث سنوات، وأخي وليد اللي كان عمره أربع سنوات".
ولكن اللحظة التي انتظرتها لتجد الأمان في أحضان عائلتها لم تأتِ كما تخيلتها، فدون سابق إنذار أو تحذير، تعرض المنزل للقصف، واستشهد جميع أفراد أسرتها، فيما بقيت آلاء الناجية الوحيدة، تحمل آثار اللحظة التي قسمت حياتها إلى ما قبل الفاجعة وما بعدها.
نُقلت الطفلة إلى المستشفى، مصابة بحروق في وجهها وشظايا في أنحاء جسدها، وفقدت بصرها نتيجة شدة القصف. وعلى مدار شهرين، عاشت تجربة قاسية لم تكن تعرف خلالها متى ستتمكن من الرؤية مجددًا، قبل أن تستعيد بصرها لاحقًا. لكن عودة قدرتها على الرؤية لم تستطع أن تعيد إليها عائلتها أو تبدد ظلام الفقد الذي أحاط بحياتها.
ومع بدء استيعابها لما حدث، راحت تسأل المحيطين بها عن أمها وأبيها وأخويها، معتقدةً أنها الوحيدة التي أصيبت، دون أن تتخيل أنها فقدتهم جميعًا.
تقول: "لما بلشت أستوعب اللي صار، صرت أسأل كل اللي حولي: وين ماما؟ وين بابا؟ وين إخوتي؟ كنت مفكرة إني الوحيدة اللي انصابت، وما كنت متخيلة إني فقدتهم كلهم".
وكان أكثر ما يؤلمها أنها لم تتمكن من وداع عائلتها، بعدما فقدت بصرها خلال تلك الفترة. ورغم أنها استعادت الرؤية لاحقًا، بقيت حسرة الوداع الأخير حاضرة في ذاكرتها، إلى جانب الأصوات التي سمعتها في المستشفى.
وتتابع آلاء حديثها: "صحيح ما كنت أشوف، بس كنت أسمع اللي حوالَيّ، ويا ريتني ما سمعت أمهات يسألن عن أطفالهن بكل لهفة وخوف، وأشخاصًا يخبرون أقاربهم باستشهاد أحبائهم. كانت أصواتهم توجع القلب، وأنا ما كنت عارفة كيف أرجع لأهلي".
ذكريات لا تنسى
ولا تزال آلاء تستحضر تفاصيل حياتها القديمة، حين كان والدها يعود إلى المنزل حاملًا الحاجيات والحلوى، ويصطحب أطفاله إلى المطاعم والمراكز التجارية، محاولًا إسعادهم ومنحهم لحظات من الفرح حتى في وسط ظروف الحرب.
وتقول: "أبي كان يعزني كثير، وكل ما يرجع على البيت كان يجيب لنا الحاجيات والسكاكر، وكان يأخذنا على المطعم والمول التجاري. كنت أفرح كثير لما نطلع معه، وما كنت أفكر إن الأيام الحلوة هاي ممكن تصير مجرد ذكريات".
حتى يوم ميلادها، الذي كان مناسبة تملؤها البهجة، أصبح موعدًا يستحضر وجع الغياب. تتذكر والدتها وهي تعد لها الحلوى، وشقيقيها وهما يغنيان لها طوال اليوم، قبل أن تمر المناسبة بعد الحرب من دونهم.
"كنت أستنى يوم ميلادي عشان أمي تعمل لي الحلوى، وإخوتي يضلوا يغنوا لي طول اليوم، لكن مرّ يوم ميلادي من دون أمي وأبي وعائشة ووليد، وما كان فيه حدا منهم جنبي".
وحين يشتد حنينها، تتوجه آلاء إلى المقبرة، تجلس بجوار أفراد عائلتها، وتحدثهم عن تفاصيل حياتها وإنجازاتها، كأنها تحاول إشراكهم في رحلة نموها التي حُرموا من متابعتها.
وتخبرهم أنها حفظت القرآن الكريم خلال عام وثلاثة أشهر، وحصلت على شهادة الصف الخامس الابتدائي، وانتقلت إلى الصف السادس، متمسكةً بالتعليم ومواصلة حياتها رغم الفقد.
ومع كل إنجاز تحققه، تظل أمنيتها الأكبر أن تعود عائلتها، وأن تستعيد الحياة التي عرفتها قبل القصف، رغم إدراكها أن تلك الأمنية لن تتحقق.
تقول: "نفسي ترجع عائلتي وترجع حياتي زي ما كانت قبل الحرب. بعرف إن أمنيتي صعبة، لكنهم لسه بقلبي، وما بقدر أتخيل حياتي من دونهم".
وبالرغم من كل ما فقدته، تتمسك آلاء بالأمل، وتصر على مواصلة دراستها وحياتها، حاملةً رسالة إلى الأطفال الذين أنهكتهم الحرب وانتزعت منهم أحباءهم.
وتختم: "إحنا أقوياء، ومش رح نستسلم. رح نكمل حياتنا ودراستنا، ورح نصبر مهما كانت الظروف صعبة".
وبحسب بيان للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة الشهر الماضي، فإن (+6,020) أسرة أبادها الاحتلال ومُتبق منها ناج وحيد (بعدد 12,917 شهيداً)، منذ بدء الاحتلال الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
تمضي آلاء في طفولة لم تعد تشبه ما عرفته يومًا؛ تستعيد عائلتها من الذكريات، وتحمل إليهم أخبار نجاحها عند كل زيارة للمقبرة، وكأنها تخبرهم أنها، رغم الفقد، ما زالت تحاول أن تكبر وتواصل الطريق الذي تمنّت لو أنهم بقوا إلى جانبها فيه.


