فلسطين أون لاين

غزة وأمانة الرواية

📌#رسالة_قرآنية_من_محرقة_غزة 
﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ المائدة: 8


في غزة، يحمل الإنسان جراحه ويبحث عن نافذةٍ للحياة، وتحمل الرواية مسؤوليته إلى العالم: اسمه الذي قد يضيع بين الأرقام، وبيته الذي تختزله الصورة في ركام، وحلمه الذي لا يظهر في نشرات الأخبار. ومع استمرار الملحمة حتى اليوم، تتجدد مسؤولية الكلمة في حفظ المعنى؛ أن يرى العالم في الفلسطيني إنسانًا كامل الحياة والحقوق، له ماضٍ يستحق أن يُروى، ومستقبلٌ يستحق الحماية.

وتتجسد هذه الملحمة في تفاصيل قد تعبر الشاشات سريعًا: أمٍّ تحاول أن تمنح أطفالها شعورًا بالأمان، وطبيبٍ يتعهد مريضه رغم الإنهاك، ومعلمٍ يجمع حوله طلابًا تشبثوا بالتعلم، وأسرةٍ تحرس ما تبقى من ذاكرتها. تلك أفعالٌ تحفظ المجتمع، وتستحق روايةً أمينة تصل الصمود بكلفته الإنسانية، وتمنح أصحابه حق التعبير عن احتياجاتهم وألمهم.

فحين نروي بطولة غزة، تبقى علينا أمانة إظهار جراحها. الصامد يحتاج إسنادًا، والمفجوع يحتاج مواساةً، ومن يحاول استعادة حياته يحتاج موارد وفرصًا وأمانًا. وتمجيد قدرتهم على الاحتمال ينبغي أن يستنهض مسؤولية العالم تجاههم، وأن يقرّبنا من حاجاتهم الفعلية.

ولهذا يحتاج الخطاب عن غزة إلى حرارةٍ توقظ الضمير، ودقةٍ تحمي الحقيقة. فالمأساة الموثقة تحمل من القوة ما يكفي؛ وكل مبالغة تمنح المنكرين منفذًا للتشكيك، وتضع على شهادة الضحايا عبئًا إضافيًا. ومن الوفاء لهم أن نتثبت من الاسم والصورة والتاريخ والسياق، وأن نفصل بين ما نعرفه وما نرجّحه، ونصحح الخطأ حين يظهر.

ومع طول المحنة، يزداد خطر الاعتياد. تتكرر الصور حتى يخشى المرء أن تفقد قدرتها على إيقاظ القلب؛ وهنا تتعاظم مهمة الصحافة والفن والتوثيق: استعادة الإنسان من خلف المشهد، وإظهار ما يعنيه فقد البيت أو انقطاع التعليم أو انتظار العلاج في حياة صاحبه. فلكل أسرةٍ قصتها، ولكل غائبٍ اسمٌ وعلاقاتٌ وأحلام، ولكل ناجٍ حقٌّ في أن يُسمع صوته بكرامة.

والكرامة شرطٌ للرواية العادلة. فليس كل وجعٍ مباحًا للعرض، ولا كل صورةٍ يجوز نشرها؛ لأصحابها خصوصيتهم وموافقتهم وسلامتهم. وتحتاج الشهادة إلى من يحفظ سياقها، ويصونها من الاجتزاء، ويتيح لصاحبها أن يحدد كيف يريد أن تُروى تجربته.

كذلك ينبغي أن يُقرأ الصراع بوعيٍ واقعي؛ فاستعراض القوة والمبالغة في تقديرها قد يحجبان اختلال موازينها، والسخرية من العدو قد تصرف النظر عن فهم قدراته وقراراته. وتستحق غزة خطابًا يبني معرفةً تساعد على حسن التقدير، ويظل حاضرًا فيه أمن المدنيين وحقوقهم وحاجتهم إلى الحماية.

أما مخاطبة العالم، فتحتاج أكثر من نقل الكلمات إلى لغاتٍ أخرى. تحتاج شرح السياق الفلسطيني، وربط التجربة الإنسانية بالحقوق السياسية: كيف يعيش شعبٌ يريد حريته؟ وكيف يحفظ أرضه وذاكرته ووحدة مجتمعه؟ وكيف تتحول مشاهد التعاطف إلى إغاثةٍ منتظمة، وحمايةٍ فاعلة، وعملٍ يصون الحقوق؟

ومن هنا تصبح ذاكرة غزة مشروعًا مؤسسيًا مستدامًا: أرشيفًا يحفظ الأدلة، وصحافةً تتحقق، وأفلامًا وكتبًا تنقل التجارب، وبحوثًا تدرس القرارات والنتائج، ومساحةً للنقد والمراجعة. فالوفاء للتضحيات يشمل فهم التجربة، وحماية الناس من تكرار الأخطاء، وتحويل المعرفة إلى قدرةٍ على البناء.

غزة تكتب ملحمتها المستمرة بمحاولات الحياة التي تتجدد وسط الفقد، وعلينا أن نحمل روايتها بصدقٍ يليق بأهلها. أن نحفظ الألم من النسيان، والصمود من الاستغلال، والحقيقة من المبالغة؛ حتى يصبح أثر الكلمة يدًا تُسند، وحقًّا يُصان، وذاكرةً تفتح للأجيال طريق المستقبل.