لم يكن مصطفى أبو طالب، ابن السادسة عشرة، يحلم بأكثر من أن يواصل طريقه في كرة القدم، وأن يرتدي قميص نادي شباب رفح لاعبًا في صفوفه، بعدما اجتاز مراحل التدريب في أكاديميته وتأهل للانضمام إلى فريق النخبة والفريق الرسمي للنادي.
لكن حرب الإبادة التي بدأها الاحتلال في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 أغلقت الملاعب في وجهه، ولم تكتفِ بحرمانه من هوايته، بل دفعته إلى واقع لم يكن يتخيله؛ إصابة حرمته الحركة، وكرسي متحرك بات رفيقه، وانتظار طويل للسفر من أجل العلاج واستعادة الأمل في المشي.
كان مصطفى فتى نشيطًا، محبًا للحياة، يوزع وقته بين التدريبات الرياضية ومساعدة أسرته. ومع اشتداد الحرب وتدهور الأوضاع المعيشية، أجبر على التخلي عن جزء من أحلامه الرياضية، وفتح بسطة صغيرة لبيع البهارات، سعيًا إلى المساهمة في توفير احتياجات عائلته.
لم يكن يتردد في مساعدة الآخرين، وعُرف بين من حوله بحيويته وخدمته لكل من يحتاج إليه، قبل أن تنقلب حياته في لحظات.
يستعيد والده أشرف أبو طالب، الذي نزح مع أسرته المكونة من سبعة أفراد قسرا إلى خيمة في مواصي رفح، تفاصيل اليوم الذي أصيب فيه ابنه منذ نحو عام، قائلًا لصحيفة "فلسطين": "كان يومًا صعبًا، فمنذ ساعات الصباح الأولى كان إطلاق النار كثيفًا من آليات الاحتلال الإسرائيلي، خرج مصطفى، وما إن وصل إلى آخر الشارع حتى أصيب برصاصة في ظهره".
كانت الإصابة أشد مما تخيله الأب؛ إذ اخترقت الرصاصة الفقرة السابعة من العمود الفقري، وألحقت أضرارًا بإحدى رئتيه، لتبدأ رحلة طويلة من الألم والعلاج، انتهت به إلى الجلوس على كرسي متحرك، بعدما فقد القدرة على الحركة والإحساس في الجزء السفلي من جسده.
ويضيف والده: "أظهرت التقييمات الطبية الأولية أنه يعاني من شلل نصفي، مع فقدان الحركة والإحساس، إلى جانب عدم قدرته على التحكم في البول والبراز، لم تكن الإصابة مجرد جرح يحتاج إلى علاج، بل كانت تحولًا كاملًا في حياة طفل كان يركض خلف الكرة، ويخطط لمستقبله، ويعيش أحلامه مثل أقرانه".
ومع مرور الوقت، حملت إعادة التقييم الطبي بصيصًا من الأمل؛ إذ أظهرت أن هناك فرصة للتحسن، لكن ذلك يتطلب علاجًا طبيعيًا مكثفًا في مراكز متقدمة ومتخصصة، ومتابعة مستمرة لدى أطباء المخ والأعصاب، وإجراء تصوير بالرنين المغناطيسي لتحديد حالة النخاع الشوكي، ومعرفة ما إذا كان هناك ضغط ناتج عن عظام العمود الفقري.
وبناءً على احتياجاته الطبية، حصل مصطفى على تحويلة للعلاج خارج قطاع غزة، غير أن التحويلة لم تفتح له باب النجاة سريعًا؛ فمنذ نحو عام، لا يزال ينتظر دوره للسفر، فيما تتراجع أيامه داخل الخيمة بين الألم والترقب، وتتعلق أسرته بأمل أن تتاح له فرصة العلاج قبل أن تضيع فرص التحسن.
ويتابع والده: "مصطفى واعٍ تمامًا لوضعه الصحي، ويعرف أنه بحاجة إلى السفر، ينتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر، ويسألني باستمرار عن موعد سفره، وهل سيتمكن من العلاج، وهل سيعود إلى المشي من جديد. أجيبه بما أستطيع، لكن هناك أسئلة أعجز عن الرد عليها، فأصمت أمامه، لأنني لا أملك إجابات واضحة".
ولم تعد معاناة مصطفى تقتصر على الألم الجسدي أو صعوبة الحركة؛ فالإصابة تركت أثرًا نفسيًا عميقًا في نفسه، بات سريع الغضب والتوتر، تتنازعه الأسئلة والمخاوف، ويثقل عليه شعوره بأنه عالق في مكانه، بينما تمضي الحياة من حوله، فهو لا يريد سوى أن يستعيد حياته السابقة، وأن يتمكن من الوقوف والمشي والعودة إلى ممارسة ما يحب.
ويقول والده: "لديه أمل كبير في الشفاء والتعافي، ويتمسك بفكرة أنه سيعود إلى المشي، أكثر ما يؤلمني أن أراه ينتظر السفر يومًا بعد يوم، ولا أستطيع أن أفعل له شيئًا سوى الوقوف إلى جانبه ومساندته".
وفي الخيمة التي أصبحت مساحة حياته اليومية، تتجدد خسارته كلما وصل إلى مسامعه صوت مباراة كرة قدم، أو تعالت أصوات شبان يمارسون هوايتهم، عندها يستعيد مصطفى صورته القديمة، حين كان يركض في الملعب، ويتدرب ليقترب من حلمه، قبل أن تتحول الكرة من شغف يملأ أيامه إلى ذكرى تثير وجعه.
"فكلما سمع صوت مباراة أو رأى شبانًا يلعبون كرة القدم، يبكي. هو محروم من أكثر شيء كان يحبه، وكل ما يتمناه الآن أن يسافر للعلاج، ويستعيد قدرته على الحركة، ويعود إلى حياته"، وفق حديث والده.
ويحرم الحصار الإسرائيلي أكثر من 20 ألف جريح ومريض في غزة من السفر لتلقي العلاج، وفق معطيات وزارة الصحة.
وبين حلم ارتداء قميص نادي شباب رفح، وواقع الكرسي المتحرك، يقف مصطفى عند انتظار لا يعرف متى ينتهي، فلم يفقد رغبته في التعافي، لكنه يحتاج إلى ما هو أبعد من الأمل؛ فرصة علاج حقيقية، ومتابعة طبية متخصصة، واستجابة تتيح له الوصول إلى العلاج الذي يحتاج إليه.