تتزايد حالة عدم اليقين في الأوساط الاقتصادية الإسرائيلية، مع تداعيات نتائج انتخابات برلمان الاحتلال "الكنيست" وتعذر حصول أي من المعسكرين الرئيسيين أغلبية برلمانية لتشكيل الحكومة المقبلة، في مشهد يضع الأسواق المالية والمستثمرين أمام مرحلة من الترقب لانعكاسات التجاذبات السياسية على الوضع المالي، ومستقبل الاستثمارات، وأداء القطاعات الاقتصادية الرئيسية.
ويتزامن ذلك مع أعباء اقتصادية ومالية متراكمة على دولة الاحتلال خلفتها حرب الإبادة على غزة، شملت ارتفاع الإنفاق العسكري والدين العام والعجز المالي، إلى جانب تضرر قطاعات حيوية وتراجع النشاط السياحي والإنشائي.
ويوضح الخبير الاقتصادي د. نصر عبد الكريم أن الأسواق المالية تتفاعل بحساسية كبيرة مع مؤشرات الاستقرار السياسي، مشيراً إلى أن سعر صرف الشيكل أمام الدولار شهد تقلبات واضحة بالتزامن مع ظهور نتائج الانتخابات. فبعد المؤشرات الأولية التي أظهرت تقدم حزب «غادي أيزنكوت» المعارض، سجل الشيكل مكاسب أولية، وتراجع الدولار إلى نحو 3.02 شيكل، قبل أن يعكس الاتجاه مع تبلور النتائج وتصدر بنيامين نتنياهو، ليرتفع الدولار إلى مستويات تراوحت بين 3.12 و3.13 شيكل.
ويقول عبد الكريم لصحيفة "فلسطين" إن التحركات تعكس حالة التوجس لدى المستثمرين، الذين يترقبون طبيعة الائتلاف الحكومي المقبل، لافتاً إلى أن حالة عدم اليقين ستظل قائمة إلى حين اتضاح نتائج المشاورات وإعلان تشكيل الحكومة الجديدة.
وحول السيناريوهات المحتملة، يوضح أن تشكيل حكومة دون مشاركة الأطراف المصنفة دولية بأنها "الأكثر تطرفاً" قد يعزز قوة الشيكل ويخفض سعر الدولار، فضلاً عن إمكانية المساهمة في تخفيف جانب من العزلة الاقتصادية التي تواجهها حكومة الاحتلال دولياً.
في المقابل، فإن تشكيل حكومة تصنف على أنها "يمينية ضيقة" قد لا يحظى بالاستجابة ذاتها من الأسواق، فيما سيؤدي تعثر مفاوضات تشكيل الحكومة والذهاب إلى انتخابات جديدة إلى إطالة أمد الضبابية السياسية، بما ينعكس سلباً على قرارات الاستثمار والقطاعات الاقتصادية الرئيسية.
انعكاس ملموس
من جهته يؤكد الخبير في الشأن الاقتصادي، د. هيثم دراغمة، أن حالة ضبابية المشهد السياسي وعدم اليقين المحيطة بتشكيل حكومة الاحتلال ينعكسان بشكل مباشر وملموس على الواقع الاقتصادي وحركة الأسواق المالية.
ويوضح دراغمة لصحيفة "فلسطين" أن البورصات والأسهم الإسرائيلية شهدت تراجعات متتالية متأثرة بغياب الاستقرار السياسي، مؤكداً أن حالة عدم اليقين هذه تسببت في إيجاد تذبذبات وموجة عدم استقرار مؤقتة على مستوى سعر صرف "الشيكل" والوضع الاقتصادي العام.
ويشير إلى أن التراجع لن يطول، مرجحاً تدخل الإدارة الأمريكية في ملف تشكيل حكومة الاحتلال لتجاوز العقبات الحالية، سواء قادت الخيارات إلى تشكيل حكومة مصغرة أو حكومة وحدة.
وحول تداعيات الحرب وتكلفة المواجهة على جبهات متعددة لعدة سنوات، يلفت دراغمة إلى أن الاقتصاد الإسرائيلي عانى في المراحل الأولى من تراجع حاد وكبير، نظراً لأن أعباء الاستنزاف العسكري قادرة على إنهاك موازنات كبرى الدول العظمى.
ويوضح أن الاقتصاد سرعان ما دخل مرحلة تعافٍ نسبية بفضل الدعم المالي والسياسي غير المحدود الذي قدمته الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية.
ويضيف أن استمرار حركة الصادرات وتدفق الدعم الخارجي أسهم بشكل فعال في احتواء أزمات مالية أعمق، مما جعل تراجع الأسواق الحالية مقترناً فقط بعامل ضبابية المشهد السياسي المؤقت.
وفي سياق متصل، يسلط دراغمة الضوء على مفارقة أخرى في بنية الاقتصاد الإسرائيلي، تتمثل في أن قطاعات منه تواصل تحقيق النمو والأرباح في الأسواق الخارجية، بينما يتزايد الاستنزاف المالي والمعيشي في الداخل بفعل الحرب وتكاليفها المتراكمة، عادا أن الاقتصاد الإسرائيلي بات أقرب إلى اقتصاد حرب يزدهر خارجياً ويتآكل داخلياً.
ويوضح دراغمة أن شركات التكنولوجيا، خصوصاً العاملة في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، تمثل أحد أبرز محركات النمو، بفضل قدرتها على تصدير خدماتها إلى أسواق عالمية مثل نيويورك ولندن، وتحقيق إيرادات بالدولار، دون اعتماد مباشر على الموانئ وحركة التجارة التقليدية، الأمر الذي يتيح لها مواصلة نشاطها رغم الاضطرابات العسكرية.
ويشير إلى أن أداء هذا القطاع أسهم في دفع ما يسمى "بنك إسرائيل" إلى رفع توقعات النمو من 4% إلى 5.6% خلال عام 2026، مع توقعات بوصول النمو إلى 7.5% في عام 2027، منوهاً في الوقت ذاته بأن هذه الأرقام لا تعكس بالضرورة تعافياً شاملاً للاقتصاد بمختلف قطاعاته.
وفي المقابل، يتحمل الاقتصاد الداخلي الكلفة الأكبر للحرب، التي بلغت نحو 55 مليار دولار، فيما وصل الإنفاق العسكري إلى نحو 8% من الناتج المحلي الإجمالي، بما يعادل 200 مليار شيكل، وفق الأرقام التي استعرضها دراغمة.
ويضيف دراغمة أن الدين العام ارتفع من نحو 60% إلى 70% من الناتج المحلي الإجمالي، ليصل إلى نحو 366 مليار دولار، بالتزامن مع تسجيل عجز مالي يتراوح بين 4.4% و6.2%، فضلاً عن تعرض التصنيف الائتماني الإسرائيلي لثلاثة تخفيضات، بما يعكس ارتفاع المخاطر المالية والاقتصادية ويزيد الضغوط على الاقتراض والاستثمار.
ويشير إلى أن التناقض يتضح أيضاً في المؤشرات المعيشية؛ فعلى الرغم من تسجيل التضخم نحو 1.5% والبطالة 2.8%، فإن المجتمع الإسرائيلي يواجه أزمات متفاقمة، أبرزها أزمة الإسكان التي توصف بأنها قنبلة موقوتة، إلى جانب ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية للأسر، حتى بات غلاء المعيشة أحد أبرز الملفات التي كانت تشغل الناخب الإسرائيلي.