لم يكن عماد راضي يتوقع أن تكون رحلته الصباحية لشراء الخبز لأطفاله هي الأخيرة في حياته؛ فقد خرج من منزله بحثاً عن قوت يوم عائلته، قبل أن يستهدفه قصف إسرائيلي، أثناء وجوده قرب مدرسة بالحي الياباني في خان يونس، جنوبي قطاع غزة، ليرحل تاركاً خلفه زوجة وثلاثة أطفال يواجهون مصيراً مجهولاً بعد فقدان معيلهم.
وبينما كان الرجل يسعى لتأمين احتياجات أسرته الأساسية، باغته القصف برفقة شخص آخر كان قد طلب منه إيصاله، لتنتهي الرحلة التي بدأت بحثاً عن رغيف الخبز باستشهاده، وتتحول عودته المنتظرة إلى خبر صادم تلقته عائلته بوجع وحسرة.
تقول إيمان راضي، شقيقة الشهيد، لصحيفة "فلسطين" إن شقيقها خرج صباحاً إلى المكان القريب من المدرسة لشراء الخبز، وهناك التقى بأحد الأشخاص الذي طلب منه إيصاله، فوافق دون تردد، قبل أن يستهدفهما القصف الإسرائيلي.
وتستعيد إيمان ملامح شقيقها بكلمات يختلط فيها الحزن بالحنين، مشيرة إلى أنه كان إنساناً بسيطاً، لا يبحث إلا عن توفير احتياجات أسرته، وكان حريصاً على السؤال عن شقيقته وتلبية ما تحتاج إليه كلما زارها.
وتضيف بحرقة: "كان يقول لي: إيش بدك يا أختي؟ إيش بدك بس؟"، مستذكرة اهتمامه بها وطيبته، قبل أن تقطع حرب الإبادة هذه التفاصيل اليومية الصغيرة، وتحرمها من شقيق كان حضوره يحمل لها الكثير من المودة والاهتمام.
معيل الأسرة إلى مثواه الأخير
من جانبه، يقول أبو محمد راضي، خال الشهيد، إن ابن شقيقته خرج في ساعات الصباح الأولى لشراء ربطة خبز لأطفاله، لكنه لم يعد إلى منزله، بعدما باغته القصف الإسرائيلي وأدى إلى استشهاده برفقة شخص آخر.
ويوضح لـ"فلسطين" أن الشهيد عماد كان عاملاً بسيطاً، يكافح لتأمين قوت يومه، ويعمل رغم الظروف الاقتصادية الصعبة من أجل إعالة أسرته وتوفير احتياجاتها، مؤكداً أنه لم يكن طرفاً في أي مواجهة، بل كان منشغلاً بتدبير شؤون منزله وأطفاله.
ويضيف أن الشهيد ترك خلفه زوجة وولدين وبنتاً، وجدوا أنفسهم فجأة أمام حياة مختلفة، بعدما فقدوا الشخص الذي كان يتولى إعالتهم، فيما أصبحت الزوجة أرملة والأطفال أيتاماً، في ظل ظروف معيشية وإنسانية بالغة القسوة يعيشها سكان القطاع.
ويتابع الخال بأسى إن استشهاد ابن شقيقته لم يكن مجرد خسارة فرد من العائلة، بل مأساة امتدت آثارها إلى زوجته وأطفاله الذين حُرموا من وجود والدهم ورعايته، متسائلاً عمن سيتولى مسؤولية هذه الأسرة بعد رحيله.
حرب لا تتوقف ومآسٍ تتكرر
ولا تنفصل مأساة عائلة راضي عن واقع أوسع يعيشه المواطنون في قطاع غزة، حيث تتواصل المخاوف من قصف الإسرائيلي وسقوط الشهداء، رغم الاتفاقات والجهود المعلنة لوقف إطلاق النار، فيما تجد العائلات نفسها أمام خسارات متجددة تطال أفرادها ومصادر رزقها وأبسط مقومات حياتها.
ويقول أبو محمد إن حرب الإبادة، رغم الحديث عن اتفاقات لوقف إطلاق النار، لا تزال حاضرة بقوة في تفاصيل الحياة اليومية، من خلال القصف وسقوط الشهداء واستخدام الأسلحة المختلفة، مضيفاً أن السكان يشعرون وكأن الحرب تبدأ من جديد كل يوم.
ويطالب الدول الراعية لاتفاق وقف إطلاق النار، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والدول العربية، بتحمل مسؤولياتها والتدخل لحماية المدنيين ووقف ما وصفه بالمجازر والإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين.
ويؤكد أن استمرار سقوط الشهداء يعني مزيداً من النساء اللواتي يفقدن أزواجهن، والأطفال الذين يُحرمون من آبائهم، مشيراً إلى أن العائلات باتت تعيش على وقع أخبار الموت والفقد بصورة متكررة.
أما إيمان، التي تحاول التمسك بالصبر أمام فقدان شقيقها، فتختصر أمنيتها بضرورة وقف حرب الإبادة، بعدما أثقلت سنوات المعاناة كاهل العائلات الفلسطينية، وأصبح الخوف من فقدان الأحبة جزءاً من تفاصيل يومها.
وتقول إنهم يحاولون الصبر وحمد الله على كل حال، لكنهم لم يعودوا يحتملون استمرار هذه المعاناة، مطالبة بوقف إطلاق النار وإنهاء الحرب التي حصدت أرواح الكثيرين وشتتت العائلات.
وتضيف بلهجتها الموجوعة: "بيكفينا، ثلاث سنين وإحنا بنعاني معاناة غير شكل، بيكفي ظلم.. يوقفوا الحرب، يوقفوا الدنيا".
وبين ربطة خبز خرج أب لشرائها لأطفاله، وبيت ينتظر عودته، انتهت حكاية رجل كان يكافح لتأمين قوت أسرته، تاركاً وراءه ثلاثة أطفال وزوجة وذكريات شقيقته التي لن تسمع بعد اليوم سؤاله المعتاد: "إيش بدك يا أختي؟".