لم يكن الشاب محمد أبو العمرين يعلم أن عودته لإغلاق باب حاصل كانت عائلته تحتمي به ستكون آخر مهمة يطلبها منه والده، وأن الخطوات التي فصلته عن عائلته ستنقذ حياته، في حين يفقد في لحظات الأشخاص الذين شكّلوا عالمه كله. ففي السادس من كانون الأول/ديسمبر 2024، استشهد والده ووالدته وإخوته الثلاثة في استهداف إسرائيلي شمالي قطاع غزة، ليصبح الناجي الوحيد من أسرته.
كان محمد، المولود في 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2008، يقيم مع عائلته النازحة في منزل جده لأمه بمشروع بيت لاهيا، بجوار مستشفى كمال عدوان، بعدما أجبرهم العدوان على النزوح من منزلهم في شارع المخابرات شمال غرب مدينة غزة خلال الأيام الأولى لحرب الإبادة قبل أكثر من ثلاث سنوات.
وعلى مدار نحو أربعة عشر شهرًا، تنقلت الأسرة بين محطات النزوح والخوف، قبل أن تقرر البقاء في شمال القطاع بالرغم من تصاعد العدوان الإسرائيلي.
عناق أخير
مع بدء ما عُرف بخطة الجنرالات العدوانية، أصر والده ناصف على عدم النزوح جنوبًا، لعدم امتلاك الأسرة مكانًا آخر تلجأ إليه، في حين كانت والدته منال تخشى على أبنائها وتريد المغادرة.
يقول محمد لصحيفة "فلسطين": "كان والدي يقول: إما أن نستشهد هنا، وإما أن يفرّجها الله علينا وينتهي الاحتلال ونبقى أحياء. أما والدتي فكانت تريد الخروج خوفًا علينا، لكنها بقيت معنا".
وفي فجر ذلك اليوم، استيقظت الأسرة قرابة الرابعة صباحًا على قصف المنزل المجاور، الذي كان يضم عائلات عديدة، في حين حلّقت طائرات حربية إسرائيلية دون طيار في المنطقة وأطلقت النار على كل من يحاول التحرك.
داخل الحاصل الذي احتمت به الأسرة، تسلل الغبار والركام، وسمع أفرادها صراخ المصابين وأصوات إطلاق النار، دون أن يتمكنوا من الخروج لمساعدة أحد. وسط ذلك الخوف، جمعت الأم أبناءها حولها واحتضنتهم.
ويستعيد محمد المشهد قائلًا: "كانت والدتي تجمعنا حولها وتحتضننا، وكأنها تشعر أن ذلك سيكون عناقها الأخير لنا".
وقرابة الخامسة صباحًا، تكررت النداءات عبر مكبرات الصوت، مطالبة سكان المنازل المحيطة بمستشفى كمال عدوان بإخلائها والتوجه إلى ساحته، في إطار أوامر الإخلاء الإسرائيلية التي طالت المنطقة.
قرر الأب المغادرة، فأخذ كل فرد حقيبة صغيرة من أغراضه، وأغلقوا الأبواب وانطلقوا. لكن الوالد تذكر أن باب الحاصل لا يزال مفتوحًا، فطلب من محمد العودة وإغلاقه.
الناجي الوحيد
ما إن اقترب محمد من الباب حتى وقع الاستهداف الإسرائيلي. سقطت نظارته من شدة الانفجار، وغابت عنه تفاصيل ما جرى للحظات، قبل أن يسمع صوتًا يناديه باسمه. ظن أن والدته تناديه، لكنه فوجئ بابنة خاله تخبره بأن عائلته تعرضت للقصف.
يقول: "لم أستطع تصديق ما سمعته، وبدأت أردد: لا، لا، لا. ثم ظللت أردد: إنا لله وإنا إليه راجعون".
لم يستطع العودة إلى المكان بسبب استمرار الخطر، فاتجه إلى مستشفى كمال عدوان، حيث لمح شقيقيه ملقيين على الأرض، وناداهما مرارًا دون استجابة. ولم يكن يعرف حينها ما إذا كان بقية أفراد أسرته قد استشهدوا فورًا أم ظلوا ينزفون.
وبعد نحو أربع ساعات، تمكنت الطواقم من الوصول إلى جثامين والده ووالدته وإخوته بكر وباسل ولانا، ونقلهم إلى المستشفى، حيث دفنوا مؤقتًا في ساحته، قبل إعادة دفنهم بعد ستة أشهر في مقبرة رسمية.
أما محمد، فكان ينزف جراء شظايا أصابت الجانب الأيسر من جسده وأطرافه. ويقول: "جلست على الأرض أطلب من الموجودين إسعافي، لكن الوضع كان صعبًا للغاية، ولم أتمكن حتى من إلقاء نظرة وداع على أهلي أو حضور دفنهم".
وبعد تلقي العلاج الأولي، نسّق الهلال الأحمر نقله إلى مستشفى الشفاء، حيث وصل قرابة صلاة العشاء، عقب انتظار نحو عشر ساعات للحصول على التنسيق اللازم. وكان أخواله وأعمامه في استقباله.
حياة من جديد
كان والده طبيب أسنان تطوع خلال الحرب في مستشفى كمال عدوان، وعمل في الاستقبال والإسعاف لمساعدة المصابين، فيما كانت والدته أخصائية تحاليل طبية. وقد حرص الاثنان على تربية أبنائهما والاهتمام بتعليمهم وتلبية احتياجاتهم.
بعد استشهادهم، انتقل محمد للإقامة لدى خاله نحو شهرين، وبدأ يواجه واقعًا مختلفًا، فقد غاب الأشخاص الذين اعتاد الاعتماد عليهم في تفاصيل حياته اليومية.
ويقول: "كنت أفكر كيف سأكمل حياتي من دونهم. كانت حياتي كلها مرتبطة بهم، ولم يكن لدي كثير من الأصدقاء أو العلاقات خارج الأسرة. كنت في السادسة عشرة، وأمامي الدراسة والتوجيهي والجامعة، ولم أكن أعرف كيف سأواجه الحياة وحدي".
ويضيف: "الفقد صعب حتى لو فقد الإنسان شخصًا أو اثنين، لكن أن تفقد عائلتك كلها دفعة واحدة، فهذا أمر أشد قسوة".
ولم يكن القرآن الكريم والتعليم بعيدين عن اهتمام أسرته؛ فقد شجعه والداه منذ طفولته على الحفظ والتفوق. بدأ حفظ القرآن في الصف الثامن، ثم عاد إليه خلال الإجازة الصيفية، والتحق بحلقة في مسجد خديجة بنت خويلد، بتشجيع من صديق له.
ومنذ الرابع من حزيران/يونيو 2022، واصل الحفظ حتى أتم القرآن الكريم في رمضان 2023، خلال نحو عشرة أشهر. كما حقق المرتبة الأولى في الصف التاسع على مستوى قطاع غزة.
اليوم، يقيم محمد في خيمة داخل مركز إيواء، بلا والديه اللذين كانا يتكفلان بنفقاته، وبلا إخوته الذين شاركوه طفولته. لكنه يحمل ما زرعته أسرته فيه من حب العلم والقرآن، ويحاول أن يواصل طريقه على الرغم من الخسارة التي غيّرت حياته إلى الأبد.