عندما يعلن الملياردير اليهودي الأمريكي رونالد لاودر عن تصفية وجوده المادي بالكامل في إسرائيل، ببيع شقته في "تل أبيب" والتبرع ببيته في "بئر السبع" للصندوق القومي اليهودي، ويعلنها قطيعة مدوية: "لا نية لديّ للعودة إلى إسرائيل.. صفر"، فإن ذلك ينطوي على دلالات وتداعيات بالغة الخطورة، جاءت ليس فقط من أهل البيت الإسرائيلي، بل من أحد بُناته، لا من أعدائه.
زلزال لاودر السياسي في مقابلته مع صحيفة "هآرتس" العبرية ليس موقفًا لشخص اعتيادي؛ فهو مالك إمبراطورية مستحضرات التجميل العالمية الشهيرة "إستي لودر"، وأحد أهم أعمدة الدعم المالي والسياسي والمؤسساتي لـ"إسرائيل" في الشتات، وعرّاب تاريخي لصعود اليمين السياسي الإسرائيلي، والأهم من ذلك أنه رئيس المؤتمر اليهودي العالمي منذ عام 2007.
إن حرب الإبادة المستمرة على غزة والتطورات الأخيرة في "إسرائيل" جعلت تصريحات لاودر تُمثّل "جرس الإنذار الأكبر" للتصدع الحاصل بين إسرائيل والشتات اليهودي الغربي؛ إذ يعترف علنًا بأن «إسرائيل تحولت من ديمقراطية حقيقية إلى "جمهورية موز/ ديكتاتورية فاسدة"»، ويؤكد فقدانه الثقة بنتنياهو -الذي يُعدّ هو أحد مهندسي صعوده السياسي- بقوله: «بات يتصرف كديكتاتور في عرض فردي»، كما يرى أن تحالفه مع بن غفير وسموتريتش يدفع بإسرائيل نحو مصير كارثي وعزلة دولية خانقة، محذرًا: "لقد خسرت إسرائيل الحزب الديمقراطي الأمريكي، وهي الآن في طريقها لخسارة الحزب الجمهوري أيضًا"!
الطلاق الفعلي من لاودر لـ"إسرائيل" يعني أن النخب اليهودية الثرية والمؤثرة في الغرب بدأت ترفع غطاء الدعم الأعمى عنها، وباتت تجد حرجًا متزايدًا في الدفاع عن "صورة إسرائيل" أمام مجتمعاتها الغربية، وتحذيره -بوصفه متبرعًا جمهوريًا بارزًا وصديقًا مقربًا لترامب- يعني تحول إسرائيل من قضية إجماع في أمريكا إلى ملف خلافي داخلي، وهو كابوس استراتيجي لتل أبيب، وخروجه في هذا التوقيت وإعلانه دعم آيزنكوت بديلًا لنتنياهو قد صبّ الزيت على النار في مشهد سياسي إسرائيلي معقد، يعاني أصلًا من انسداد سياسي وانقسامات داخلية عميقة.
وعندما يفضّل أحد أكبر الممولين والداعمين للمؤسسات الصهيونية العالمية البقاء بعيدًا، ويعدّ العيش أو الوجود في إسرائيل أمرًا "لا يُطاق" نتيجةً لسياساتها، فإن ذلك يضرب الرواية الأساسية التي تأسست عليها إسرائيل باعتبارها "الوطن الآمن والمُجمِع لكل يهود العالم"، وهي تصفية رمزية للمشروع الصهيوني التقليدي.
يوجّه لاودر إشارة سلبية حادة إلى المستثمرين ورجال الأعمال اليهود عالميًا، ومؤشرًا على مخاوف جدية بشأن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي ومستقبل سيادة القانون في "إسرائيل"، وتوفّر تصريحاته الخطيرة غطاءً ودعمًا لشخصيات ومؤسسات يهودية أخرى في الخارج للانتقاد العلني وسحب الدعم الأعمى للحكومة الإسرائيلية دون خوف من اتهامهم بـ"ضعف الانتماء"، أو حتى "معاداة السامية"!
لاودر، البالغ من العمر 82 عامًا، ليس الوحيد في يأسه من "إسرائيل" والهروب منها، وإن كان الشخصية الأكثر أهمية وتأثيرًا ونفوذًا؛ فقد سبقه إلى ذلك أبراهام بورغ، رئيس الكنيست الإسرائيلي والوكالة اليهودية الأسبق، الذي أكد أن إسرائيل تحولت إلى دولة "أبارتهايد" وفاشية قومية لا يمكنه الانتماء إليها، وإيهود باراك، رئيس الوزراء وقائد الأركان الأسبق المستقر عمليًا في أمريكا، الذي دعا مرارًا إلى العصيان المدني لمواجهة الانهيار الداخلي، وميراف ميخائيلي، رئيسة حزب العمل السابقة، التي ترى استحالة إصلاح المنظومة السياسية من الداخل في ظل هيمنة تيار نتنياهو وحلفائه المتطرفين، وإيلان بابيه، المؤرخ والأكاديمي البارز الذي وصف إسرائيل بأنها «مشروع استعماري عنصري مآله الانهيار الذاتي»، وديفيد غروسمان، الذي يُوصف بـ"الضمير الثقافي والأدبي" لإسرائيل، بعدما صرّح بأنه «توصل بألم إلى نتيجة مفادها أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة»، واصفًا ما يجري بأنه «أفول أخلاقي تام للدولة وعزلة تاريخية ستدفع ثمنها أجيال»، وعامي أيالون، رئيس جهاز "الشاباك" الأسبق، الذي يقضي معظم وقته في إلقاء المحاضرات بالجامعات الغربية، موجهًا انتقادات لاذعة للقيادة الإسرائيلية، ومؤكدًا أن «غياب العدالة والاحتلال يدمران إسرائيل من الداخل»، وأن القيادة الحالية تقود البلاد إلى «انتحار جماعي»، إضافة إلى المؤرخ العالمي يوفال نوح هراري، الذي وصف إدارة نتنياهو للحرب والسياسة بـ«الانتحار التاريخي»، محذرًا من تحولها إلى دولة «منبوذة أخلاقيًا وسياسيًا»؛ وغيرهم الكثير ممن قفزوا من السفينة "إسرائيل" قبل فوات الأوان، سواء من القادة السياسيين والعسكريين، أو من عشرات الآلاف من نخب الفكر والطب والتكنولوجيا.
إن هذه النماذج تؤكد أن صرخة لاودر وتوصيفه للوضع بأن "البيت يحترق" هما جزء من ظاهرة أعمق تعصف بالبنية الفكرية والاجتماعية للمشروع الإسرائيلي؛ فإسرائيل في سنوات حربها الأخيرة ممزقة من الداخل، وربما كانت لتنهار لولا الدعم الأمريكي والغربي. ومع تواصل النزيف في صفوف قيادتها الداخلية ورعاتها الخارجيين، يبرز بوضوح أن مفهوم "القفز من السفينة" خلال الحرب الحالية لم يعد تعبيرًا مجازيًا للمواطنين العاديين فحسب، بل بات سلوكًا علنيًا اتخذه جنرالات وقادة سياسيون وبُناة تاريخيون وداعمون أساسيون، يرون في استمرار المنظومة الحالية انتحارًا استراتيجيًا لإسرائيل، وتغدو المنافسة حاليًا محتدمةً في توقيت القفز وسرعته.