فلسطين أون لاين

ثنائي الفشل.. نتنياهو وترامب يحرقان المنطقة

...

 د. إياد القرا

حين تعجز الحروب عن تحقيق أهدافها، ويضيق هامش المناورة السياسية، يصبح التصعيد ملاذًا خطيرًا للهروب من الاعتراف بالمأزق. 
هذا هو المشهد الذي يختصر تقاطع سياسات نتنياهو وترامب في الشرق الأوسط؛ فالأول يواجه مأزق تحويل الدمار العسكري إلى نصر سياسي، والثاني يواجه تناقضًا بين وعوده بإنهاء الحروب وسياسة التهديد والضغط التي يتبناها. وبين مأزق نتنياهو وحسابات ترامب، تبدو المنطقة وكأنها تُدفع نحو حرائق جديدة، لا لحل الأزمات، بل للهروب من نتائجها. 
فحين يفشل الرهان على القوة في إنتاج الحسم، يصبح توسيع الحرب خطرًا يهدد بتحويل الفشل السياسي إلى كارثة إقليمية.

لم تكن الحرب على غزة مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى اختبار كبير للسياسات الإسرائيلية والأمريكية، وكشفت حدود القوة العسكرية في فرض الحلول السياسية. فالدمار الهائل والخسائر البشرية والتهجير لم تنتج استقرارًا، ولم تنهِ جذور الصراع، بل عمّقت الأزمات ووسّعت دائرة الغضب والاحتقان.

نتنياهو، الذي ربط مستقبله السياسي باستمرار الحرب وتقديم نفسه رجلًا للأمن والقوة، يواجه تناقضًا جوهريًا؛ فكلما اتسعت العمليات العسكرية، ازدادت صعوبة تحويل نتائجها إلى إنجاز سياسي مستدام. 
وأصبح التصعيد وسيلة لإدارة الأزمات وتأجيل استحقاقاتها، بدلًا من معالجتها.

أما ترامب، الذي قدّم نفسه قادرًا على إنهاء الحروب وفرض السلام، فإن دعمه للنهج القائم على الضغط والتهديد يضع وعوده أمام اختبار حقيقي. 
فلا يمكن بناء الاستقرار الإقليمي بسياسة تمنح القوة العسكرية الأولوية، وتتجاهل الحقوق الفلسطينية وجذور الصراع.

والأخطر أن التقاء حسابات الرجلين قد يحوّل الإخفاق السياسي إلى مغامرات عسكرية جديدة. فالتوتر مع إيران، والتهديدات المتبادلة، واستمرار الأزمات في لبنان وغزة، تجعل المنطقة أمام احتمالات تصعيد تتجاوز حدود المواجهات القائمة.

لقد أثبتت سنوات الحرب أن التفوق العسكري لا يعني القدرة على حسم الصراعات، وأن تدمير المدن لا يصنع أمنًا، وأن تجاهل القضية الفلسطينية لا يفتح الطريق إلى سلام حقيقي، مهما اتسعت اتفاقيات التطبيع والتحالفات الإقليمية.

المشكلة اليوم ليست في أزمة نتنياهو وحده، ولا في تناقضات سياسة ترامب، بل في النهج الذي يتعامل مع المنطقة باعتبارها ساحة لتصفية الحسابات وفرض الإرادات بالقوة، بينما يدفع المدنيون ثمن هذه السياسات من دمائهم ومستقبلهم.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو محاولة الهروب من نتائج حرب مدمرة بإشعال حرب أكبر. فالمنطقة لا تحتاج إلى مزيد من النيران لإنقاذ الحسابات السياسية، وإنما إلى وقف الحروب ومعالجة أسبابها.

وحين تصبح الحرب بديلًا عن السياسة، لا يكون السؤال من سيشعل المواجهة المقبلة، بل كم سيدفع الشرق الأوسط من أثمانها، وإلى متى؟

المصدر / فلسطين أون لاين