لم تكن الملاعب الترابية أو الخضراء في قطاع غزة مجرد مساحات لممارسة كرة القدم، بل كانت متنفسا يصنع فيه الشباب أحلامهم، ويهربون عبره من قسوة الحصار والظروف المعيشية الصعبة، ومساحة تمنحهم فرصة لإثبات مواهبهم وتحقيق طموحاتهم رغم شح الإمكانات.
غير أن الحرب الإسرائيلية القاسية على القطاع لم تكتف بتدمير المنشآت الرياضية، بل طالت الرياضيين أنفسهم، وحوّلت حياة كثير منهم إلى حكايات وجع وفقد، بعدما غابت أصوات الجماهير وحلّت مشاهد الدمار والعزاء مكان الملاعب التي طالما احتضنت أحلامهم.
وفي قلب هذه المأساة، تجسد سيرة الشهيد نصر الله محمد نصر الله المقاطعة، الملقب بـ"أبو أيمن" أو "جونيور"، حكاية شغف رياضي فلسطيني لم تستطع الظروف الصعبة إخماده، قبل أن تنتهي رحلته بصورة تختصر حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها أبناء قطاع غزة، بعدما ارتقى إثر استهداف المواطنين المنتظرين للحصول على المساعدات الإنسانية.

ولد نصر الله المقاطعة في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، يوم 26 يوليو/تموز 1987، ونشأ محبا لكرة القدم، شأنه شأن كثير من أبناء جيله الذين وجدوا في الملاعب الشعبية فرصة للتعبير عن مواهبهم وصناعة أحلامهم بعيدا عن ضغوط الحياة اليومية.
وكانت بداياته من المدارس والمساجد والساحات الشعبية، حيث تشكلت موهبته تدريجيا، قبل أن يبرز بشكل لافت في صفوف فريق "البركة"، الذي شهد أولى خطواته نحو عالم كرة القدم المنظمة.
لم تكن الطريق أمامه مفروشة بالإمكانات أو الفرص الكبيرة، لكن موهبته وإصراره منحاه فرصة الانتقال إلى مستوى أكثر تقدما، وشكل عام 2006 محطة مفصلية في مسيرته، بعدما انضم إلى نادي الصلاح الرياضي، تحت قيادة المدرب الراحل الشهيد مصطفى أبو عطوان، ليبدأ مرحلة جديدة من مشواره الكروي في مركز خط الوسط.
هناك، استطاع المقاطعة أن يلفت الأنظار بقدراته الفنية ومهاراته في التعامل مع الكرة، إلى جانب رؤيته الجيدة داخل الملعب، ليحصل على لقب "جونيور"، الذي ارتبط بأسلوب لعبه المهاري وطريقته المميزة في التحرك وصناعة الفرص.
ولم يكن حضوره مقتصرا على الجانب الفني، إذ عرفه زملاؤه لاعبا متواضعا وصاحب أخلاق عالية، وهي صفات جعلت مكانته تتجاوز حدود المستطيل الأخضر.
وخلال أكثر من ستة أعوام قضاها في صفوف نادي الصلاح، شارك في العديد من المنافسات والمواجهات، وترك بصمته في محطات مهمة من تاريخ الفريق، أبرزها الوصول إلى وصافة بطولة "حوار وتسامح" عام 2009، بعد مواجهة قوية أمام نادي خدمات الشاطئ.
وكانت تلك المشاركة واحدة من المحطات التي عكست قدرته على المنافسة وتقديم الإضافة لفريقه، في وقت كانت فيه كرة القدم المحلية تشكل مساحة مهمة لالتقاء الشباب وإبراز مواهبهم رغم الظروف الصعبة.
وفي عام 2012، انتقل المقاطعة إلى نادي اتحاد دير البلح، ليواصل رحلته الكروية حتى عام 2020، ويخوض تجربة جديدة في منافسات دوري الدرجة الثانية، ضمن فرع الوسطى والجنوب. وخلال تلك الفترة، حافظ على حضوره في الملاعب، وشارك في تحقيق انتصارات مهمة لفريقه، كما سجل أهدافا جميلة عكست حسه الكروي وقدرته على استغلال الفرص.
ومع مرور السنوات، لم يكن "أبو أيمن" مجرد لاعب يؤدي دوره داخل الملعب، بل كان جزءا من البيئة الرياضية والاجتماعية التي تجمع اللاعبين وتصنع بينهم علاقات تتجاوز المنافسة.
فقد تركت روحه المرحة وابتسامته الدائمة أثرا لدى زملائه، الذين عرفوه إنسانا محبا للحياة، قريبا من الجميع، وحريصا على الاستمرار في ممارسة اللعبة التي شكلت جزءا أساسيا من حياته.
وبعد سنوات من العطاء في المسابقات الرسمية، قرر تعليق حذائه واعتزال اللعب التنافسي، لكن ابتعاده عن المنافسات لم يكن يعني التخلي عن كرة القدم. فقد انضم إلى نادي وكالة الغوث، وواصل ممارسة اللعبة ضمن فرق "الزمن الجميل"، مستعيدا مع رفاقه ذكريات الملاعب والمباريات، ومتمسكا بشغفه الذي رافقه منذ طفولته.
غير أن الحرب التي اجتاحت قطاع غزة فرضت واقعا مختلفا على حياة الرياضيين، بعدما فقد كثيرون منهم ملاعبهم وأنديتهم ومصادر رزقهم، وأصبح البحث عن الاحتياجات الأساسية للأسرة أولوية تتقدم على كل الأحلام والطموحات.
وفي ظل هذا الواقع القاسي، لم يكن أمام المقاطعة سوى مواصلة السعي لتأمين احتياجات أطفاله وعائلته، بعدما تحولت تفاصيل الحياة اليومية إلى معركة مفتوحة من أجل البقاء.
وجاءت النهاية بعيدا عن الملاعب التي أحبها، ففي يوم السبت الموافق 9 أغسطس/آب 2025، ارتقى نصر الله المقاطعة شهيدا إثر استهداف الاحتلال للمواطنين المنتظرين للحصول على المساعدات في محافظة خان يونس جنوبي القطاع في ظل حرب التجويع التي كان يشنها الاحتلال.
لم يكن في طريقه إلى مباراة أو تدريب، ولم يكن يحمل كرة القدم التي لازمته سنوات طويلة، بل كان يبحث عن لقمة العيش لعائلته، قبل أن تنتهي رحلته في مشهد يعكس قسوة الظروف التي يعيشها الفلسطينيون في غزة.
رحل "جونيور" تاركا خلفه أطفاله وعائلته ورفاقا احتفظوا بذكرياتهم معه، لينضم إلى قائمة الرياضيين الفلسطينيين الذين فقدوا حياتهم خلال الحرب، سواء جراء القصف والاستهداف المباشر أو تداعيات الحصار والتجويع وانهيار مقومات الحياة.
ولا تتوقف مأساة المقاطعة عند حدود خسارة لاعب سابق، بل تمتد لتكشف حجم الخسائر التي لحقت بالحركة الرياضية الفلسطينية في قطاع غزة، خصوصا أن مدربه السابق في نادي الصلاح، الشهيد مصطفى أبو عطوان، كان من بين الذين فقدتهم الرياضة الفلسطينية خلال الحرب، إلى جانب عشرات اللاعبين والمدربين والإداريين والعاملين في المؤسسات الرياضية.
فقد القطاع الرياضي مئات الكوادر والمواهب التي احتاج بناؤها سنوات طويلة من التدريب والعمل، فيما تعرضت معظم المنشآت الرياضية للتدمير أو الأضرار البالغة، بما في ذلك الملاعب والأندية والصالات والمقرات الإدارية.
ولم تقتصر تداعيات ذلك على توقف النشاط الرياضي، بل امتدت إلى حرمان آلاف الأطفال والشباب من المساحات التي كانت تحتضن مواهبهم، وتمنحهم فرصة لممارسة الرياضة وبناء مستقبل مختلف.
وتكمن خطورة هذه الخسائر في أن إعادة الحياة إلى الرياضة في غزة لن تكون مرتبطة بإصلاح الملاعب والمنشآت وحدها، بل ستتطلب أيضا إعادة بناء منظومة رياضية فقدت عددا كبيرا من خبراتها وأصحاب التجارب، فضلا عن توفير الظروف التي تسمح للأجيال الجديدة بالعودة إلى التدريب والمنافسة.
في أوقات الحروب والأزمات، تظل الرياضة متنفسا للشعوب ومساحة للتمسك بالحياة والهوية والأمل، لكن واقع غزة جعل الرياضيين أنفسهم في مواجهة مصير قاس، بعدما تحولت الملاعب التي احتضنت أحلامهم إلى ركام، وأصبح بعضهم ضحايا في رحلة البحث عن أبسط مقومات العيش.


