يواصل نحو 70 موظفاً من موظفي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، الذين فُصلوا من وظائفهم بذريعة أمنية، اعتصامهم في كلية تدريب أونروا بخان يونس، احتجاجاً على "تنصل" المفوض العام للوكالة من الالتزامات والتفاهمات التي جرى التوصل إليها معهم، مؤكدين أنهم لن ينهوا اعتصامهم قبل تحقيق مطلبهم الأساسي المتمثل في العودة إلى العمل.
وأكد عاطف القوقا، أحد الموظفين المفصولين المشاركين في الاعتصام، أن عودة الموظفين إلى الاعتصام مجدداً تأتي احتجاجاً على "الظلم" الذي تعرضوا له.
وأوضح القوقا لصحيفة "فلسطين "أن إدارة أونروا تعتزم صرف جزء محدود من مكافأة نهاية الخدمة للموظفين المفصولين، يقدر بنحو ربع القيمة المستحقة لهم، وفق احتسابهم، الأمر الذي دفعهم إلى رفض هذه التسوية والمطالبة بالحصول على كامل حقوقهم المالية.
وبين القوقا أن جوهر الخلاف المالي يتعلق بآلية احتساب مكافأة نهاية الخدمة، موضحاً أن الموظفين يستندون إلى نظام معمول به داخل الوكالة، يقضي باحتساب مكافأة تعادل 45 يوم عمل عن كل سنة خدمة.
وقال إن الموظف الذي أمضى 20 عاماً في العمل لدى أونروا يفترض، وفق هذا الاحتساب، أن يحصل على مكافأة تعادل 20 سنة مضروبة في 45 يوم عمل عن كل سنة، مشيراً إلى أن هذا الحق يمثل أساس مطالبة الموظفين بالحصول على مستحقاتهم كاملة.
وأضاف أن الوكالة، وفق ما أُبلغ به الموظفون، تعتمد آلية مختلفة في احتساب التعويضات، إذ يجري تحديد سقف للمكافأة لا يتناسب مع سنوات الخدمة الفعلية، موضحاً أن الموظفين الذين تجاوزت خدمتهم عشر سنوات قد يحصلون على ما يعادل تسعة أشهر فقط، حتى لو بلغت سنوات خدمتهم 20 أو 30 عاماً.
وأشار إلى أن الاحتساب يثير اعتراضات واسعة بين الموظفين، خصوصاً أن بينهم من أمضى 23 و26 و28 عاماً في العمل لدى الوكالة، ومع ذلك يجري، بحسب إفادته، تحديد مستحقاتهم بما يعادل نحو ثمانية أشهر فقط.
وقال إن الموظفين خرجوا من وظائفهم بعد سنوات طويلة من العمل داخل الوكالة، وقد أصبحوا في سن متقدمة، ما يجعل فرص حصولهم على وظائف جديدة داخل المجتمع أمراً بالغ الصعوبة، في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي يعيشها قطاع غزة.
وأكد القوقا أن أنظمة الوكالة تتضمن إجراءات تقتضي إخطار الموظف قبل ثلاثة أشهر من إنهاء خدماته، بما يمنحه فرصة للاستعداد وترتيب أوضاعه والبحث عن فرصة عمل أخرى، إلا أن ما جرى مع الموظفين المفصولين كان مختلفاً تماماً.
وأشار القوقا إلى أنه كان يمتلك روفا في منطقة الكرامة شمالي مدينة غزة، تبلغ مساحته نحو 350 متراً مربعاً، قبل أن يُدمّر خلال الحرب، ليجد نفسه نازحاً في منطقة الشاطئ، ويشارك حالياً في الاعتصام المقام جنوبي القطاع.
وقال القوقا، البالغ من العمر 49 عاماً، والذي عمل مدرساً لمادة التربية الرياضية في الوكالة، إن الموظفين المفصولين يواجهون ظروفاً بالغة الصعوبة، بعدما خسروا وظائفهم ومصادر دخلهم.
قرارات "ظالمة"
من جانبه، قال محمد عكاشة، أحد الموظفين المفصولين المشاركين في الاعتصام، إن الرسالة التي يسعى المعتصمون إلى إيصالها للمجتمع تتمثل في أنهم تعرضوا للظلم جراء قرارات فصلهم من وظائفهم في وكالة أونروا، دون تقديم أدلة تثبت الاتهامات الموجهة إليهم أو منحهم إنذاراً مسبقاً.
وبين عكاشة لصحيفة "فلسطين" أنه يواجه أعباء مالية كبيرة، تشمل ديوناً والتزامات بنكية، فضلاً عن فقدانه شقته السكنية في مخيم جباليا، وتعرضها للتدمير خلال الحرب، إضافة إلى تجميد حسابه البنكي، ما زاد من صعوبة الوفاء بالتزاماته المالية.
وأشار إلى تعرضه لإصابتين بالغتين في اليد والقدم، كما فقد معظم أفراد أسرته وأقاربه في قصف سابق.
وأشار عكاشة، البالغ من العمر 32 عاماً، إلى أنه كان يعمل مدرساً لمادة اللغة العربية لمدة ست سنوات.
فشل جهود معالجة الملف
من جهته أوضح عضو اتحاد الموظفين بقطاع الخدمات في "أونروا" صبري المعلواني، أن الموظفين المفصولين عادوا إلى الاعتصام منذ يوم الأحد الماضي، بعد فشل الجهود الرامية إلى معالجة ملفهم، رغم الوعود التي تلقوها سابقاً من المفوض العام بالتعاطي الإيجابي مع قضيتهم والتوصل إلى حلول تراعي ظروف كل موظف على حدة.
وأوضح المعلواني لصحيفة "فلسطين" أن الموظفين نفذوا اعتصاماً أول في منتصف شهر حزيران/يونيو الماضي، استمر لمدة 36 ساعة، قبل أن يقرروا فضه عقب تلقي وعود من المفوض العام بالإنابة آنذاك، كريستيان ساندرز، تقضي بتشكيل لجنة تضم خمسة ممثلين عن الموظفين المفصولين، وعقد لقاء معهم عبر تقنية الاتصال المرئي، لمناقشة ملفات الموظفين السبعين بصورة فردية والبحث عن حلول مناسبة لكل حالة.
وأضاف أن من بين الحلول التي طُرحت خلال تلك التفاهمات، إمكانية توظيف أحد أقارب الموظف من الدرجة الأولى، سواء زوجته أو أحد أبنائه، بشكل فوري، بما يضمن توفير مصدر دخل للعائلات المتضررة.
وأشار إلى أن المفوض العام بدأ، بعد فض الاعتصام، بالتراجع عن التفاهمات، متذرعاً بأن لقاءه المباشر مع الموظفين قد يعرّضه للمساءلة أمام المحاكم، نظراً إلى أن قرارات الفصل اتُخذت على ما سماها "خلفية أمنية" مزعومة.
وبيّن المعلواني أنه جرى لاحقاً اقتراح التواصل مع شخصية عربية، ممثلة بمدير الإعلام في أونروا عدنان أبو حسنة، حيث عُقد لقاء بعد نحو شهرين من فض الاعتصام، بحضور ممثلي الموظفين الخمسة ورئيس اتحاد الموظفين، بهدف إيصال رسالة المفصولين ومطالبهم إلى إدارة الوكالة.
وأشار إلى أن التفاهمات اللاحقة تضمنت تحديد شخصية دولية لمتابعة الملف، حيث اختيرت نائبة مدير الموارد البشرية في الأقاليم الخمسة، التي طلبت من كل موظف مفصول إرسال رسالة لا تتجاوز خمسة أسطر، يوضح فيها موقفه ويدافع عن نفسه إزاء الاتهامات التي استندت إليها الوكالة في قرار فصله.
وأكد أن اتحاد الموظفين أعد توضيحات قانونية عامة وخاصة بكل موظف، تضمنت توضيح الظروف والمبررات المتعلقة بكل حالة، وجرى ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية وإرسالها إلى الجهات المختصة في الوكالة، استجابةً للطلب المقدم من إدارة الموارد البشرية.
لكن المعلواني قال إن تقديم هذه المرافعات لم يفضِ إلى أي نتيجة، إذ كرر المفوض العام إصراره على فصل الموظفين، رغم تأكيده، وفق المعلواني، عدم وجود أدلة تثبت إدانتهم، معتبراً أن هذا الموقف يشكل الجانب الأكثر إيلاماً في القضية.
وأشار إلى وجود تناقضات في الذرائع الأمنية التي استندت إليها قرارات الفصل، موضحاً أن بعض الموظفين الذين شملتهم القرارات سبق أن اعتقلهم جيش الاحتلال خلال وجودهم في قطاع غزة، ومكثوا في السجون لفترات تراوحت بين شهرين وسنتين، قبل الإفراج عنهم دون توجيه تهم تتعلق بالادعاءات المنسوبة إليهم.
وكشف أن المفوض العام قدم عرضاً مكتوباً عبر البريد الإلكتروني، أبدى فيه تمسكه بإنهاء خدمات الموظفين السبعين مقابل صرف كامل مستحقاتهم المالية، مشيراً إلى أن 30 موظفاً من أصل 70 وافقوا على العرض وأرسلوا موافقتهم إلى المفوض العام، إلا أن إدارة الوكالة، بحسب قوله، تنصلت لاحقاً من التفاهم أيضاً، عبر مديري الموارد البشرية في الأقاليم الخمسة وفي إقليم غزة.
وشدد المعلواني على أن الموظفين المفصولين لم يعودوا يقبلون بأي حلول بديلة عن إعادتهم إلى وظائفهم، قائلاً إن مطلبهم بات واضحاً ويتمثل في العودة إلى العمل، وإن الاعتصام سيستمر إلى حين الاستجابة لهذا المطلب.