أعادت حلقة "ما خفي أعظم" التي بثتها قناة الجزيرة، وتناولت سيرة محمد الضيف ومشاهد ووثائق حصرية، اسمه إلى واجهة الإعلام الصهيوني، لكن هذه المرة من زاوية تتجاوز متابعة شخصية قائد عسكري سابق؛ إذ فتحت التغطية نقاشاً حول ما تكشفه المواد المصورة عن صورة الضيف، وعن حدود المعرفة الاستخباراتية الصهيونية، وكيفية قراءة المؤسسة الأمنية لمسار الاستعدادات التي سبقت السابع من أكتوبر.
وقد عكست التغطية العبرية، في عناوينها ومفرداتها، طبيعة النظرة الصهيونية إلى الرجل. فصحيفة "تايمز أوف إسرائيل" اختارت عنواناً يركز على بث لقطات غير معروفة لقادة حماس، مشيرة إلى ظهور الضيف في الأنفاق وإلى اجتماعات التخطيط، فيما وضعت "جيروزالم بوست" المشاهد في إطار الوثائق لخطط هجوم السابع من أكتوبر. أما موقع والا العبري، فقدم تقريره تحت عنوان يربط التسجيلات النادرة باستعدادات حماس للهجوم، مستخدماً توصيفات صهيونية مألوفة للحدث. وتكشف المقارنة أن القاسم المشترك بين هذه التغطيات كان التركيز على البعد الأمني والعسكري، لا على السيرة الإنسانية أو السياق الفلسطيني الأوسع.
كما أن اختلاف الصياغة بين وسيلة وأخرى يوضح أن التغطية الصهيونية ليست صوتاً واحداً؛ فبعض التقارير اكتفى بوصف ما ظهر ونسبته إلى الجزيرة، فيما اختارت عناوين أخرى مفردات أكثر حدة تنسجم مع الخطاب السائد داخل الكيان الصهيوني منذ هجوم أكتوبر. ومع ذلك، فإن تعدد المنصات لا يثبت وجود مراجعة نقدية شاملة، بل يكشف في المقام الأول حجم الاهتمام الأمني والإعلامي بالمواد الجديدة، وما يمكن أن تقوله عن حسابات المؤسسة العسكرية.
هذا الاختيار ليس تفصيلاً تحريرياً عابراً؛ فالإعلام الصهيوني اعتاد تقديم محمد الضيف بوصفه هدفاً أمنياً ورمزاً عسكرياً مرتبطاً بعمليات ضد "إسرائيل"، مع إبراز محاولات اغتياله والإصابات التي تعرض لها، والحديث عن قدرته على الحركة ومكان وجوده.
لذلك *اكتسبت المشاهد التي ظهر فيها ماشياً داخل نفق، ومتحدثاً مع مرافقيه، دلالة خاصة؛ لأنها أعادت فتح ملف الروايات التي تداولتها وسائل إعلام عبرية عن حالته الجسدية، ومدى دقة المعلومات التي امتلكتها الأجهزة الأمنية بشأنه*.
لكن أهمية الحلقة لا تقف عند صورة الضيف وهو يتحرك، بل تمتد إلى مشاهد الاجتماعات التي ظهر فيها إلى جانب قادة عسكريين، وإلى الوثائق التي عرضها البرنامج بوصفها مرتبطة بمراحل التحضير لهجوم السابع من أكتوبر.
وقد نقلت وسائل إعلام صهيونية هذه المواد باعتبارها ادعاءات أو وثائق قدمتها الجزيرة.
وتبرز هنا مفارقة تستحق التوقف: فإسرائيل امتلكت على مدى سنوات تفوقاً تكنولوجياً واستخبارياً واسعاً، وكررت الحديث عن قدرتها على اختراق البنية التنظيمية والعسكرية لحماس، لكنها واجهت في السابع من أكتوبر إخفاقاً أمنياً وعسكرياً كبيراً.
ومن ثم فإن ظهور اجتماعات ولقطات توثق استمرار عمل القيادة داخل الأنفاق لا يقدم وحده تفسيراً كاملاً لذلك الإخفاق، لكنه يضيف أسئلة إلى سجل الأسئلة المفتوحة: ماذا كانت تعرف الأجهزة؟ وما الذي أخفقت في فهمه؟ وهل تحولت المعلومات المتاحة إلى تقديرات خاطئة بسبب الثقة المفرطة بالتفوق والقدرة على السيطرة؟
إن *طريقة تناول الإعلام الصهيوني للحلقة تكشف أيضاً محاولة وضع المواد الجديدة داخل الإطار الأمني الذي حكم تغطيته للحرب*؛ إذ تُقرأ الشخصيات واللقطات والوثائق أساساً من منظور التهديد والعمليات العسكرية.
وفي المقابل، فإن اختزال القصة في وصفها مادة دعائية أو في إعادة إنتاج المصطلحات الرسمية الصهيونية يحجب جانباً من قيمتها الوثائقية، كما أن التعامل معها بوصفها رواية مكتملة ونهائية يتجاوز ما تسمح به المواد المنشورة.
والأهم أن *الحلقة أعادت إظهار الفجوة بين الصورة التي صنعتها التقديرات الصهيونية عن الضيف، وما ظهر في التسجيلات التي بثتها الجزيرة*. وهذه الفجوة لا تعني تلقائياً أن كل ما قيل سابقاً كان زائفاً، لكنها تفرض مراجعة الروايات والتقديرات، وتذكر بأن الغموض الذي أحاط بشخصية الضيف لم يكن مجرد تفصيل إعلامي، بل كان جزءاً من معادلة أمنية ظلت "إسرائيل" تحاول فكها.
في المحصلة، لم يكن اهتمام الإعلام العبري بالحلقة نابعاً من استعادة سيرة رجل غاب عن المشهد فحسب، بل من الأسئلة التي أعادت طرحها بشأن الاستخبارات والإنذار المبكر وفهم العدو.
وبينما ركزت العناوين العبرية على التسجيلات والأنفاق وخطط الهجوم، بقي السؤال الأعمق قائماً: كيف أمكن لمنظومة أمنية تتباهى بقدراتها أن تفشل في قراءة ما كان يتشكل أمامها؟ قد تختلف الإجابات، لكن عرض هذه المواد أعاد فتح ملف الإخفاق، وأكد أن المعركة على الرواية لا تنفصل عن المعركة على تفسير الوقائع.
*رحل الضيف وغاب رفاقه في المجلس العسكري، لكن غياب القادة لا يعني نهاية الفكرة، ولا يطوي صفحة المعركة*. فالأجساد ترحل، وتبقى البصمات حاضرة في الذاكرة، وتظل الأسئلة تطارد منظومة الاحتلال واستخباراته. قد يغيب العدو القادة، لكنه لن يستطيع أن يغلق ملف الإخفاق، أو يمحو رواية شعب ما زال يكتب تاريخه.