تواجه عائلة عمارنة في مخيم الدهيشة جنوب بيت لحم فصولاً متلاحقة من المعاناة، بعدما زجّ الاحتلال الإسرائيلي بأربعة من أفرادها في سجونه، بينهم ثلاثة صحفيين، تاركاً خلفهم عائلات أثقلها الغياب، وطفلة لم تتجاوز الخامسة من عمرها تنتظر عودة والديها معاً.
وتكشف حكاية العائلة عن مسلسل من الاعتقالات المتعاقبة، إذ لم تكد تلتقط أنفاسها مع الإفراج عن أحد أبنائها حتى كانت قوات الاحتلال تعود لاعتقال آخر، في سياسة حوّلت حياة أفرادها إلى رحلة مستمرة من الانتظار والقلق.
اعتقال الأم وطفلتها تشهد الاقتحام
وتبرز قصة الأسيرة الصحفية إسلام عبد المجيد عمارنة (31 عاماً) بوصفها أحد أكثر فصول معاناة العائلة قسوة؛ فهي أم وزوجة أسير، اعتُقلت في الثالث من أيار/مايو 2026، بعدما اقتحمت قوات الاحتلال منزل العائلة واعتقلتها دون توجيه تهمة معلنة.
وكانت ابنتها حور (5 سنوات) شاهدة على لحظات الاقتحام والاعتقال؛ إذ استيقظت على أصوات الجنود، معتقدة أن والدها عاد إلى المنزل بعد غياب طويل، قبل أن تتحول فرحتها إلى صدمة حين رأت والدتها تُقتاد هي الأخرى إلى الاعتقال.
ويقبع والد حور، الأسير أسامة حسن حماد (32 عاماً)، من مدينة القدس، في سجون الاحتلال منذ اعتقاله في 23 تموز/يوليو 2023، حين كانت طفلته في الثانية من عمرها. ورغم صغر سنها، لا تزال تحتفظ بذكريات مرافقتها له إلى المسجد الأقصى، وتستحضرها كلما اشتد شوقها إليه.
ومع استمرار غياب والديها، أنهت حور مرحلة الروضة والتحقت بالصف الأول الأساسي، فيما تردد كلمات تعكس حجم ما تحمله من شوق وأمل، قائلة: "يمكن ننام ونصحى ويكون الاحتلال انتهى… إذا بكينا وما صبرناش ما بندخل الجنة. بابا وماما رح يتحرروا، وإحنا رح نفرح ونسافر".
ومن المقرر أن تعقد جلسة محكمة إسلام في الثامن من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، فيما ينتظر زوجها أسامة جلسة محاكمة خلال الشهر المقبل، وسط مخاوف عائلته من أن يفرض الاحتلال بحقه حكماً قاسياً على خلفية مواقفه في الدفاع عن المرابطات في المسجد الأقصى.
ورغم ظروف اعتقالها، تظل إسلام منشغلة بأخبار زوجها وأوضاعه ومواعيد محاكمته، وفق ما ترويه العائلة، في صورة تعكس استمرار ارتباطها به رغم السجن والغياب.
اعتقال إداري وتدهور صحي
ولا تقتصر معاناة العائلة على إسلام وأسامة، إذ يقبع الصحفي أسيد عبد المجيد عمارنة (40 عاماً) في سجون الاحتلال منذ اعتقاله في 27 آب/أغسطس 2025، قبل تحويله إلى الاعتقال الإداري وتجديد أمر اعتقاله ثلاث مرات، كان آخرها لمدة ستة أشهر، دون تهمة أو موعد محدد للإفراج عنه.
وتقول عائلته إن وزنه تراجع من 110 كيلوغرامات عند دخوله السجن إلى نحو 80 كيلوغراماً حالياً، فضلاً عن إصابته بمرض الجرب (السكابيوس) داخل سجن عوفر، ومعاناته من حساسية تجاه بعض الأطعمة التي تقدم للأسرى، ولا سيما الخبز الأبيض.
ولم يكن اعتقال أسيد الأول، فقد تعرض للاعتقال مرات عدة خلال السنوات الماضية، في ظل ملاحقة متواصلة حرمته من الاستقرار إلى جانب أسرته.
وتوضح عائلته، في حديث لمكتب إعلام الأسرى، أن لديه أربعة أطفال هم عبد المجيد وصالح ويافا وعرين، وجميعهم ينتظرون عودته، مشيرة إلى أن والدته مريضة وتتلقى العلاج، بينما لا يعلم أسيد ولا إسلام شيئاً عن وضعها الصحي.
وتضيف العائلة: "غيابهما أثقل حياتنا جميعاً"، في إشارة إلى انعكاس اعتقال أفراد الأسرة على أوضاعها النفسية والاجتماعية.
إعادة اعتقال بعد أشهر من الإفراج
أما الصحفي معاذ إبراهيم عمارنة (39 عاماً)، فأعاد الاحتلال اعتقاله في أيلول/سبتمبر 2026، بعد أقل من خمسة أشهر على الإفراج عنه من اعتقال إداري استمر نحو سبعة أشهر.
وكان معاذ قد خرج من اعتقاله السابق وهو يحمل آثار ما تعرض له داخل السجون، بعدما فقد استقرار عينه المزروعة نتيجة الإهمال الطبي، واصفاً حاله بالقول إنه خرج من المعتقل "حاملًا عينه على كفه".
ويعاني معاذ من إصابة خطيرة تعرض لها عام 2019، خلال تغطيته الصحفية، بعدما أصابته رصاصة في عينه اليسرى وأفقدته البصر فيها، ما يضاعف مخاوف عائلته من تعرضه للإهمال الطبي مجدداً خلال اعتقاله الحالي، الذي صدر بحقه أمر إداري لمدة أربعة أشهر.
وتقول عائلته إن إعادة اعتقاله شكلت صدمة كبيرة لها، مضيفة: "لم تمض سوى أشهر قليلة على الإفراج عنه، ولم تكتمل فرحتنا بعودته".
عائلة تنتظر اجتماع الشمل
وتتوزع عائلة عمارنة اليوم بين سجون الاحتلال ومنازلها؛ أربعة أسرى، بينهم ثلاثة صحفيين، وأم وزوجها خلف القضبان، وأطفال ينتظرون آباءهم، وطفلة صغيرة تأمل أن تستعيد دفء عائلتها بعودة والديها معاً.
وبين قسوة الاعتقال الإداري، والمخاوف الصحية، وحرمان الأطفال من آبائهم وأمهاتهم، تتواصل معاناة العائلة التي لم تفقد تمسكها بالأمل في الإفراج عن أبنائها، وإنهاء رحلة الغياب التي أثقلت تفاصيل حياتها.