قالت صحيفة "لوموند" الفرنسية إن الفلسطينيين العائدين إلى قطاع غزة عبر معبر رفح الحدودي مع مصر يواجهون سلسلة من الانتهاكات والإجراءات الإسرائيلية، تشمل الإذلال والتفتيش التعسفي والعنف الجسدي، فضلاً عن اعتقال عدد منهم دون تقديم أي تفسيرات، في ما وصفته الصحيفة بـ"فخ العودة".
وأضافت الصحيفة أن حوالي عشرة فلسطينيين من قطاع غزة تم اعتقالهم منذ مارس/آذار الماضي عند معبر رفح، أثناء مغادرتهم القطاع أو عودتهم إليه، مشيرة إلى أن بعض هذه الاعتقالات جرى رغم حصول أصحابها على موافقات مسبقة من الجهات المعنية بتنسيق حركة العبور، بما فيها مصر والسلطة الفلسطينية و"إسرائيل".
ومن بين المعتقلين أمل الريفي، البالغة من العمر 60 عاماً، وابنتها ياسمين؛ وقد اعتقلتهما القوات الإسرائيلية في 20 أكتوبر/تشرين الأول، أثناء عودتهما من مصر إلى قطاع غزة، بعد رحلة علاجية استمرت منذ فبراير/شباط عام 2025.
ونقلت الصحيفة عن ميسون الريفي، ابنة أمل ومحامية تبلغ من العمر 30 عاماً، قولها إن والدتها كانت تعاني من سرطان الثدي الذي انتشر إلى الرئتين، وإنها سافرت إلى مصر خلال فترة الهدنة في غزة لتلقي العلاج، حيث خضعت لعمليتين جراحيتين وعدد من جلسات العلاج الكيميائي، بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية.
وأضافت ميسون أن العلاج أنهك والدتها، كما تدهورت حالتها النفسية نتيجة ابتعادها عن أسرتها، الأمر الذي دفعها إلى طلب العودة إلى غزة، مفضلة قضاء ما تبقى من حياتها بين أفراد عائلتها.
وتمكنت، بمساعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، من معرفة مكان احتجاز المرأتين، حيث تبين أنهما موجودتان في سجن شيكما بمدينة عسقلان داخل "إسرائيل".
ونقلت "لوموند" عن ميسون الريفي مطالبتها بتقديم توضيحات بشأن اعتقال والدتها وشقيقتها، مؤكدة أن عائلتها لا علاقة لها بأي نشاط سياسي أو عسكري، وأنها لم تكن لتخاطر بإعادة والدتها المريضة إلى غزة لو كانت تتوقع تعرضها للاعتقال. ولم يقدم جيش الاحتلال أي رد على استفساراتها بشأن القضية.
اعتقال دون محاكمة أو مدة محددة
وأوضحت الصحيفة الفرنسية أن القانون الإسرائيلي المثير للجدل، المتعلق باحتجاز من تصفهم "إسرائيل بـالمقاتلين غير الشرعيين"، يتيح اعتقال فلسطينيين بذريعة الاعتبارات الأمنية، دون توجيه اتهامات رسمية أو إخضاعهم لمحاكمة جنائية، ولمدد غير محددة. وقد احتجز آلاف الفلسطينيين بموجب هذا القانون منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، وما يزال المئات منهم رهن الاعتقال.
ونقلت الصحيفة عن منظمة "الضمير" للدفاع عن حقوق الإنسان، أن احتجاز أمل الريفي وابنتها جرى تمديده حتى الثالث من ديسمبر/كانون الأول، دون تقديم تفاصيل إضافية بشأن أسباب الاعتقال.
وأشارت "لوموند" إلى أن عدد الفلسطينيين الذين اعتقلتهم "إسرائيل" أثناء مغادرتهم قطاع غزة أو عودتهم إليه عبر معبر رفح بلغ 11 شخصاً منذ 22 مارس/آذار، من بينهم ثلاثة اعتُقلوا في 29 أكتوبر/تشرين الأول.
وأوضحت منظمة "الضمير" أنه حتى أفراد البعثة الأوروبية للمساعدة الحدودية (EUBAM Rafah) يشاهدون هذه الاعتقالات دون أن يتمكنوا من التدخل لمنعها. ويخضع جميع المسافرين مسبقاً لإجراءات التحقق الأمني قبل حصولهم على تصاريح العبور. وحذرت "الضمير" من أن "إسرائيل" تستخدم هذه الإجراءات وسيلة للإيقاع بالفلسطينيين واعتقالهم.
قيود إسرائيلية على حركة العائدين
ولفتت الصحيفة إلى أن إعادة فتح معبر رفح في فبراير/ شباط الماضي، بعد إغلاق استمر عاماً وتسعة أشهر، لم تؤد إلى تسهيل حركة الفلسطينيين، بل رافقتها قيود إسرائيلية متزايدة على حركة الدخول والخروج.
وجاءت إعادة فتح المعبر بعد خلاف بين إسرائيل ومصر، إذ كانت "تل أبيب" تسعى إلى السماح بمغادرة أعداد أكبر من الفلسطينيين مقارنة بأعداد العائدين، في حين أصرت القاهرة على تحقيق التوازن بين أعداد المغادرين والوافدين، وهو المبدأ الذي جرى اعتماده في نهاية المطاف.
ونقلت عن مسؤول فلسطيني رفيع المستوى مشارك في المفاوضات قوله إن "إسرائيل" تحذف، في اللحظات الأخيرة، عشرات الأسماء من قوائم المسافرين القادمين من مصر إلى غزة، الأمر الذي يضطر الجانب الفلسطيني إلى تقليص عدد المغادرين من القطاع بالمقدار نفسه.
وأضاف المسؤول أن المرضى والجرحى هم الأكثر تضرراً من هذه القيود، مشيراً إلى أن أكثر من 20 ألف شخص ينتظرون الإجلاء الطبي إلى الخارج لتلقي علاجات غير متوفرة داخل القطاع.
وتابعت الصحيفة أن "إسرائيل" لم تلتزم، وفقاً لما أورده المسؤول الفلسطيني، بتعهدها بضمان دخول كل شخص حصل على تصريح سفر إلى غزة، مشيرة إلى أن القوات الإسرائيلية أقامت نقطة تفتيش واستجواب في منطقة كرم أبو سالم، بالقرب من معبر رفح، حيث يخضع الفلسطينيون العائدون إلى القطاع لإجراءات أمنية واستجوابات.
اعتداءات ومصادرة ممتلكات المسافرين
وفيما يتعلق بالانتهاكات التي يتعرض لها العائدون، ذكّرت بأنها وثقت، منذ الأيام الأولى لإعادة فتح معبر رفح في الثاني من فبراير/شباط، شهادات عن تعرض فلسطينيين لمعاملة مهينة، مؤكدة أن هذه الممارسات ما تزال مستمرة.
وأشارت إلى أن عدداً من الفلسطينيين تحدثوا عن تعرضهم للضرب والتهديد والتفتيش الجسدي المتطفل على أيدي جنود إسرائيليين أو مسلحين آخرين يعملون تحت سلطة إسرائيل.
ونقلت الصحيفة، استناداً إلى شهادات جمعتها الأمم المتحدة، أن رجلاً مسنا تعرض مطلع أغسطس/آب للضرب والتقييد والجر على الأرض، قبل احتجازه داخل غرفة صغيرة ونقله لاحقاً في حافلة، وذلك بعدما احتج على اختفاء مبلغ مالي كان بحوزته.
وأضافت أن فلسطينيين آخرين أبلغوا عن مصادرة أدوية ومستلزمات طبية ووثائق هوية وشهادات جامعية وأموال ومقتنيات شخصية، دون إتاحة إمكانية استعادتها.
ونقلت "وموند" عن سونغاي، رئيس مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، قوله في 13 أغسطس/آب إن ما يتعرض له الفلسطينيون العائدون أمر مرفوض، خصوصاً أنهم أشخاص في أوضاع إنسانية هشة يعودون إلى أرضهم المحتلة والمدمرة بفعل سنوات من القصف الإسرائيلي، في وقت يواجهون فيه مصادرة أبسط مستلزماتهم.
واعتبر المسؤول الأممي أن هذه الانتهاكات تندرج ضمن نمط أوسع يهدف إلى ردع الفلسطينيين عن العودة إلى منازلهم.


