في دير البلح وسط قطاع غزة، تتكدس أنقاض المباني التي دمرتها الحرب، في حين يبحث سليمان أبو حسنين بين بقايا الخرسانة عن مادة يمكن أن تبدأ منها رحلة البناء مجدداً.
مستخدماً ماكينة صنعها بإمكانات محلية، يحوّل الشاب الركام إلى طوب متشابك، في محاولة لتحويل مخلفات الدمار إلى مورد يمكن الاستفادة منه في الإعمار.
من هذه الفكرة، يسعى أبو حسنين إلى إنتاج بديل محلي لمواد البناء التي يصعب توفيرها في القطاع. فمع اتساع الدمار ونقص الأسمنت ولوازم البناء، لم ينتظر أبو حسنين توافر المعدات التقليدية، بل بدأ في تطوير وسيلة لإعادة تدوير الخرسانة واستخدامها في تصنيع وحدات بناء.
من الركام
يقول أبو حسنين لصحيفة "فلسطين" إن مشروعه المسمى "جرين روك" جاء استجابة للحاجة إلى بدائل محلية لمواد البناء، موضحاً أن حجم الدمار دفعه إلى البحث عن طريقة للاستفادة من الركام بدلاً من بقائه مخلفات متراكمة.
وتبدأ عملية التصنيع بسحق الركام الخرساني وفرزه ومعالجته، ثم استخدامه مع مواد أخرى متاحة محلياً لإنتاج طوب «الليغو» المتشابك. ويعتمد تصميم الطوب على تداخل الوحدات بعضها مع بعض، بما يساعد على تركيبها وفقاً لطبيعة البناء ومتطلباته.
لم تكن الماكينة جاهزة منذ البداية؛ إذ صنعها أبو حسنين وطوّرها عبر تعديلات متكررة، مع انقطاع الكهرباء وندرة قطع الغيار وارتفاع تكلفتها. وتفرض هذه الظروف تحديات على استمرار الإنتاج، لكنها لم توقف محاولاته لتحسين أداء النموذج المحلي.

إنتاج محلي
تتراوح القدرة التشغيلية للماكينة بين ألف وألف وخمسمئة طوبة، وفقاً لأبو حسنين. وتمثل هذه القدرة مرحلة في تطوير المشروع، في حين يتطلب توسيع الإنتاج توفير لولزم التشغيل والطاقة وقطع الغيار، إلى جانب الحفاظ على جودة الطوب وتجانس مواصفاته.
ويعمل الفريق حالياً على إنتاج كمية من الطوب تكفي لبناء غرفة، لتكون نموذجاً عملياً يختبر الفكرة على أرض الواقع. وتمثل هذه الخطوة انتقالاً من تصنيع الوحدات إلى تجربة استخدامها في بناء فعلي، بما يساعد على تقييم طريقة التركيب ومتطلبات التنفيذ والتحديات التي قد تظهر في أثناء العمل.
ولا يكفي إنتاج الطوب وحده لإثبات صلاحيته للبناء؛ إذ ينبغي إخضاعه للفحوص الفنية والهندسية اللازمة للتحقق من متانته وقدرته على تحمل الأحمال ومقاومة الظروف البيئية، قبل تحديد الاستخدامات التي يمكن اعتماده فيها بأمان.
بدائل البناء
بالتوازي مع تطوير الطوب المتشابك، يعمل أبو حسنين على تطوير ما يسميه "الطوبة صفر إسمنت"، مستلهماً بعض أفكار العمارة الطينية، في محاولة لتقليل الاعتماد على الأسمنت الذي يصعب توفيره في غزة.
ولا يزال هذا المسار بحاجة إلى التطوير والتحقق من خصائص المنتج.
ويطمح إلى توفير خيارات قد تخدم بعض الاحتياجات المحلية، مثل الغرف الصغيرة ووحدات الإيواء والمرافق التعليمية والخدماتية المؤقتة. لكن استخدام الطوب في هذه المنشآت يظل مرتبطاً بنتائج الاختبارات والتصميم الهندسي المناسب لكل مبنى.
وفي إطار اختبار الاستخدامات المحتملة للطوب، أُعدت بالتعاون مع مركز العمل التنموي «معاً» رسومات إنشائية وتقديرات مالية لمركز تعليمي مقترح باستخدام طوب «الليغو»، بهدف دراسة متطلبات تنفيذه وتكلفته.
إعادة تدوير الركام
يعتمد أبو حسنين على الاستفادة من الركام المتاح وتصنيع الماكينة داخل غزة، بما يحد من الاعتماد على بعض المعدات المستوردة.
وتتجاوز أهمية الفكرة تصنيع الطوب؛ إذ يمكن أن تتيح عمليات جمع الركام ونقله وفرزه ومعالجته فرص عمل إضافية، فضلاً عن الحاجة إلى فنيين لتشغيل الماكينات وصيانتها، إذا توسع المشروع وتحول إلى نشاط إنتاجي مستمر.

اختبار الإعمار
يتمثل التحدي الأساسي أمام أبو حسنين في نقل المشروع من تجربة تصنيع محلية إلى منتج تثبت الاختبارات كفاءته وجدواه. ويتطلب ذلك التحقق من سلامة الطوب، ودراسة كلفة إنتاجه وتركيبه، وتحديد الاستخدامات المناسبة له، إلى جانب معالجة صعوبات التشغيل وتوفير المواد اللازمة لاستمرار الإنتاج.
وبين ركام ينتظر المعالجة وماكينة طوّرها بإمكانات محلية، يستعد أبو حسنين لإنتاج طوب يكفي لبناء غرفة نموذجية، أملاً في أن تقدم التجربة دليلاً عملياً على إمكان تحويل مخلفات الحرب إلى مورد للبناء.


