فلسطين أون لاين

"ما خفي أعظم" يكشف كواليس الطوفان.. الأقصى في قلب قرار المواجهة

...
"ما خفي أعظم" يكشف كواليس الطوفان.. الأقصى في قلب قرار المواجهة
غزة/ عبد الله التركماني:

من عتمة الأنفاق التي احتضنت أسرار المقاومة، إلى عدسات الكاميرات التي ظلت عاجزة عن اقتناص ملامحه، خرج محمد الضيف هذه المرة من أرشيف الغياب، حاملاً معه فصولاً من حكاية رجلٍ ظل اسمه حاضراً في الذاكرة.

لم يكن ظهور الشهيد الضيف، القائد العام السابق لكتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس، في مشاهد نادرة مجرد استعادة لصورة نضاله، بل كان أشبه بفتح نافذة على تاريخ طويل من المواجهة، وعلى شخصية نسجت حولها سنوات المطاردة والغموض أسطورة حضور استثنائية.

في حلقة حملت الكثير من المفاجآت، نجح برنامج "ما خفي أعظم" الذي بثته قناة الجزيرة القطرية أول من أمس في دخول أرشيف ظل مغلقاً، كاشفاً عن تسجيلات ووثائق واجتماعات ولقطات خاصة لمحمد الضيف وقيادات كتائب القسام.

وبين مشاهد الرجل في الأنفاق واجتماعات القيادة العسكرية، وشهادات رفاق دربه، عادت إلى الواجهة حكاية قائد ارتبط اسمه بمراحل مفصلية من تاريخ المقاومة الفلسطينية.

ولم تكن الحلقة استعادة لسيرة رجل فحسب، وإنما محاولة لقراءة مسار حركة ومشروع مقاومة، والعودة إلى الظروف السياسية والوطنية التي سبقت السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بما فيها قضية المسجد الأقصى والقدس، التي ظلت حاضرة في الوعي الفلسطيني ومحركاً أساسياً للصراع.

وتناولت حلقة "ما خفي أعظم" سيرة الضيف، مستندة إلى تسجيلات مصورة ووثائق وشهادات قالت القناة إنها تعرض للمرة الأولى. وتتبع التحقيق محطات من حياة الضيف، منذ نشأته وبدايات انخراطه في العمل الوطني، مروراً باعتقاله وملاحقته ومحاولات اغتياله، وصولاً إلى قيادته الجناح العسكري لحركة حماس.

وعرضت الحلقة مشاهد نادرة تجمعه بقيادات سياسية وعسكرية، بينها يحيى السنوار وإسماعيل هنية ومروان عيسى، إلى جانب لقطات لاجتماعات لقيادة القسام داخل الأنفاق.

كما كشفت وثائق ومحاضر اجتماعات تعود إلى الفترة السابقة لهجوم السابع من أكتوبر، تناولت المداولات السياسية والعسكرية التي سبقت اتخاذ القرار، وتطرقت إلى الاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى والأسرى الفلسطينيين.

وقدمت الحلقة كذلك روايات وشهادات عن مسيرة الضيف وتطور العمل العسكري للحركة، وصولاً إلى مرحلة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

استنفاد المسارات السياسية

ويرى الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل أن ما كشفته الحلقة بشأن الظروف التي سبقت اتخاذ قرار السابع من أكتوبر يسلط الضوء على سياق سياسي ووطني لا يمكن فصله عن تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية في القدس والمسجد الأقصى، ومحاولات فرض وقائع جديدة على المكان، بما مسّ مشاعر الفلسطينيين وحقوقهم الدينية والوطنية، ووضع القضية أمام منعطف بالغ الخطورة.

وقال عوكل لصحيفة "فلسطين": "إن أهمية ما عرضته الحلقة أنها أعادتنا إلى السياق الذي سبق المعركة، فالمسألة لم تكن قراراً منفصلاً عن واقع الفلسطينيين، وإنما جاءت مع تراكم طويل من الانتهاكات الإسرائيلية، خصوصاً في المسجد الأقصى والقدس.

لقد وصلت الاعتداءات إلى مستويات لم يعد معها ممكناً التعامل مع ما يجري باعتباره أحداثاً عابرة أو تجاوزات مؤقتة، بل كانت هناك محاولة لفرض واقع جديد على الأقصى والمقدسيين، وكأن المطلوب أن يعتاد الفلسطينيون على انتهاك مقدساتهم والتنازل عن حقوقهم".

ويضيف أن الحلقة أظهرت، وفق الوثائق والشهادات التي عرضتها، أن قيادة حماس لم تتجه إلى المواجهة دون محاولات سياسية ودبلوماسية، بل سعت إلى فتح الأبواب أمام الوسطاء والجهات المؤثرة، وطرح قضايا الأسرى والقدس والحصار، لكنها وجدت نفسها أمام طريق مسدود، في ظل غياب استجابة إسرائيلية جدية.

ويتابع: "اللافت أيضاً أن قرار المعركة ظهر بوصفه قراراً جرى تداوله على مستوى القيادة، وليس قراراً عسكرياً معزولاً عن المستوى السياسي. وهذا يكشف طبيعة العلاقة بين المستويين داخل الحركة، وحضور التنسيق بينهما في القرارات الاستراتيجية الكبرى".

ويشير عوكل إلى أن مواقف حماس خلال الحرب من مقترحات وقف إطلاق النار أظهرت استعداداً متكرراً للتعاطي مع المبادرات السياسية، مقارنة بالمواقف الإسرائيلية التي عطلت محطات تفاوضية عديدة. ويختم بأن الحلقة تفتح نقاشاً مهماً بشأن العلاقة بين السياسة والميدان، وكيف يمكن أن يؤدي إغلاق الأفق السياسي واستمرار الانتهاكات إلى انفجارات يصعب احتواؤها.

الأقصى في صدارة المشهد

من جانبه، يرى الكاتب والمحلل السياسي اللبناني قاسم قصير أن الحلقة قدمت مادة وثائقية مهمة لفهم شخصية محمد الضيف ومسيرته القيادية، ولم تقتصر أهميتها على عرض تسجيلات نادرة لرجل ظل بعيداً عن الأضواء، وإنما امتدت إلى استعادة السياقات السياسية والتاريخية التي أحاطت بتطور حركة حماس وكتائب القسام، وصولاً إلى أحداث السابع من أكتوبر.

ويقول قصير لصحيفة "فلسطين": "ما يلفت الانتباه في هذه الحلقة أنها لم تقدم محمد الضيف باعتباره مجرد قائد عسكري غامض، بل أعادت رسم مسيرته ضمن سياق القضية الفلسطينية وتطور المقاومة، وكشفت جوانب من حياته وعلاقاته القيادية وطبيعة العمل داخل المؤسسات السياسية والعسكرية لحركة حماس.

وهذه المشاهد والوثائق تمنح الباحثين والمتابعين فرصة للاطلاع على مواد ظلت بعيدة عن التداول الإعلامي سنوات طويلة".

ويضيف أن من أبرز الرسائل التي حملتها الحلقة إعادة تسليط الضوء على المسجد الأقصى باعتباره قضية مركزية في الوعي الفلسطيني، ومحوراً أساسياً في الخطاب المرتبط بأحداث السابع من أكتوبر.

ويتابع: "لا يمكن تجاهل أن الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على المسجد الأقصى، واقتحامات المستوطنين، ومحاولات تغيير الوضع القائم فيه، شكلت عوامل شديدة التأثير في الحالة الفلسطينية.

وقدمت الحلقة رواية تربط بين هذه التطورات وبين دوافع التحرك الفلسطيني، وتوضح أن الأقصى لم يكن غائباً عن حسابات القيادة السياسية والعسكرية للحركة".

ويشير قصير إلى أن الوثائق المتعلقة بالاجتماعات السابقة للمعركة تفتح المجال أمام دراسة آليات اتخاذ القرار داخل حماس، ومدى التنسيق بين قيادتها السياسية والعسكرية، لافتاً إلى أهمية قراءة هذه المواد في إطارها التاريخي والسياسي.

ويختم بالقول إن قيمة التحقيق تكمن في أنه أعاد فتح ملفات مهمة من تاريخ الصراع، وقدم مادة تستحق الدراسة والنقاش، خصوصاً في ما يتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية، ومكانة القدس والأقصى، وتحولات العلاقة بين المقاومة والمسارات السياسية.

المصدر / فلسطين أون لاين