أفرزت انتخابات 27 أكتوبر 2026 مشهدًا يختلف عن التعادل التقليدي بين معسكرين، إذ لم تحسم كتلة نتنياهو أو المعارضة نسبة الأغلبية المتمثلة بـ 61 مقعدًا، أما القوائم العربية فنالت حوالي 19 مقعدًا، فمن الذي يستطيع تشكيل الحكومة "الإسرائيلية" القادمة؟
يكمن المأزق في وجود بنيوية المأزق قبل أن يكون حسابيًا؛ إذ لا تستطيع كتلة نتنياهو التحالف مع الأحزاب العربية؛ لأنها ستفقد أحزاب المستوطنين، فيما لا تستطيع كتلة آيزنكوت تشكيل حكومة دون دعمها، مع أن آيزنكوت كان قد تعهّد علنًا بعدم الشراكة معها، غير أن امتناع القوائم العربية عن التصويت لا يُعتبر كافيًا؛ لأن 48 صوتًا لا تتغلب على 53 معارضًا -حتى اللحظة-، فالمطلوب تصويتٌ إيجابيٌ من ستة نواب على الأقل، أي دعم سياسي صريح لا حياد سلبي.
وبالإضافة إلى ذلك، لم تكن اتهامات "سرقة الانتخابات" بعيدةً عن المشهد الانتخابي؛ حيث لم تكن ردّ فعل على النتائج، فالتقارير تشير إلى تخطيط مسبق، حيث كشفت صحيفة هآرتس إنشاء الليكود، قبل أسابيع من الانتخابات، فرقًا غير رسمية لمراقبة الناخبين في البلدات العربية، وأن مسؤولين فيه يستعدون لحملة بعد الانتخابات عن التزوير حال خسارته.
كما نقلت "تايمز أوف إسرائيل" أن مصادر في الحزب ناقشت ادعاء السرقة قبل فتح صناديق الاقتراع، وفي يوم الاقتراع استهدف قرابة نصف منشورات نتنياهو التصويت العربي بالتشكيك، وجال بن غفير على البيوت في بات يام لحثّ المستوطنين على التصويت، كما كانت ردة فعل سموتريتش متمثلةً بتعليق حملته وعقده اجتماعًا طارئًا بسبب ارتفاع المشاركة العربية؛ ليصدر الليكود بعد النتائج بيانًا عن سرقة الانتخابات من أحزاب عربية.
في حين وردت واقعة محددة، حيث اعتُقل ثلاثة ناشطين من القائمة العربية الموحدة للاشتباه بدفع أموال لعدد قليل من الناخبين في مدينة واحدة، ووصفتها لجنة الانتخابات بأنها غير عادية، لكن الشرطة قالت إنه لا دليل على ادعاء السرقة الذي بُني عليها، ويحقق الشاباك ولجنة الانتخابات في الموضوع، أما رئيس القائمة العربية الموحدة منصور عباس فرأى أن نتنياهو يستخدم الاتهام لتعبئة ناخبي اليمين.
وبأدوات فوكو، فنحن أمام خطابٍ أمنيٍ يُحوّل التصويت العربي من فعل ديمقراطيٍ عادي إلى تهديد وجودي يستدعي إجراءات استثنائية، وله وظيفتان متكاملتان: تعبئة القاعدة اليمينية قبل الاقتراع، وتجريد أي حكومة بديلة من الشرعية بعده، وللحسابات الحزبية دور أيضًا؛ إذ حذّرت الصهيونية الدينية من أن المشاركة المرتفعة قد تُخرج الأحزاب اليمينية الصغيرة من الكنيست.
وتأتي حملة التصويت الكبير للناخبين العرب بسبب سياسات بن غفير وسموتريتش التي أدخلت السياسة القومية إلى كثيرٍ من البيوت العربية، وقال النائب السابق حنا سويد إن الناخبين أرادوا إزاحة الوزيرين المتطرفين، ولا يُختزل الدافع في بُعد قومي مجرد؛ فالسياسات الحكومية مسّت المواطنين العرب مباشرة، من هدم المنازل المبنية دون ترخيص إلى مشاريع التهويد في الشمال والجنوب، وأضاف منظمو الحملات في الناصرة الإحباط من تصاعد الجريمة في المجتمعات العربية، حيث عبّر أحمد الطيبي عن الهدف المعلن بأنه التخلص من حكومة نتنياهو وسموتريتش وبن غفير.
كما لا ينبغي أن يُقرأ تغيّر الحكومة المحتمل بوصفه تحولًا في الاتجاه الاستراتيجي؛ فنتنياهو وآيزنكوت يعارضان قيام دولة فلسطينية مستقلة، وكلاهما يقول إن القوات لن تنسحب من غزة قبل نزع سلاح حماس، وإن "إسرائيل" مستعدة لاستئناف القتال لتحقيق ذلك، كما شغل آيزنكوت منصب وزير في حكومة الحرب ثمانية أشهر بعد 7 أكتوبر 2023، ولذلك لا تُعتبر الانتخابات مرجّحة لإنتاج تحول جذريٍ في السياسات.
غير أن الفوارق قائمة في الدرجة والأسلوب لا في الاتجاه؛ فآيزنكوت يعارض مشروع E1، ويقترح تقييد الاستيطان في مناطق إدارة السلطة الفلسطينية، بينما يضم ائتلاف نتنياهو أحزابًا تدعو علنًا إلى ضم كامل الأراضي المحتلة، حيث تنقل تقارير أخرى عنه دعمًا للاستيطان داخل الكتل القائمة وتحفظًا على غير القانوني منه فقط، وهنا تأتي المفارقة، فالكتلة التي يدعمها الصوت العربي لا تعرض عليه في الجوهر السياسي أفقًا مختلفًا، وهذا يفسر جزءًا من تحفظ القيادات العربية على أي شراكة غير مشروطة.
الخلاصة:
تكشف هذه الانتخابات عن فجوة بين القوة الانتخابية والقوة التفاوضية؛ فقد نجح الصوت العربي في منع كتلة نتنياهو من الأغلبية، لكنه لم يتحول إلى شريك في صناعة بديل حتى اللحظة؛ لأن العائق سياسي لا يكمن في العدد فحسب، ولأن الخطاب الذي سبق الاقتراع وتلاه جعل من هذا الصوت تهديدًا لا شريكًا، وفي المقابل، لا يعد البديل المطروح بتحول في جوهر السياسة تجاه الشعب الفلسطيني، لكن القضية الأهم بالنسبة للأخير هي إزاحة نتنياهو عن المشهد السياسي "الإسرائيلي" ليكون الحلقة الأخيرة في سلسلة السياسيين المنتهية حياتهم السياسية بعد إخفاق السابع من أكتوبر 2023، حسب تعبير الاحتلال.


