في غزة، لا تُقاس قوة الاقتصاد بحجم الأموال المتداولة في الأسواق، ولا بعدد المصانع العاملة أو المشاريع القائمة فحسب، بل بقدرة الإنسان على النهوض كل صباح، والبحث عن فرصة جديدة للحياة، رغم قلة المال وندرة العمل وصعوبة الظروف. هنا يكتب الفلسطينيون فصلاً استثنائياً في علم الاقتصاد، عنوانه الإرادة، ومضمونه التأقلم، وأدواته الصبر والإبداع وحب الحياة.
لقد *أثبت أهل غزة أن الاقتصاد ليس مجرد أرقام وموازنات ومؤشرات مالية، وإنما سلوك إنساني واجتماعي يقوم على إدارة الموارد المحدودة، وإيجاد البدائل*، وتحويل الإمكانيات البسيطة إلى وسائل للاستمرار. فعندما تغيب فرص العمل التقليدية، تظهر المهن الصغيرة، وعندما تتعطل الأسواق، تنشأ أساليب جديدة للبيع والشراء، وعندما تتراجع القدرة الشرائية، تتوسع ثقافة التعاون والتكافل وتقاسم الموارد.
في غزة، أصبح البحث عن البديل مهارة يومية. فالتاجر يبحث عن بضاعة بديلة، والحرفي يعيد استخدام ما توفر من أدوات، والمزارع يحاول استثمار أصغر مساحة ممكنة، والمعلم يبتكر وسيلة لمواصلة التعليم، والطبيب يسعى لتقديم الخدمة بالإمكانيات المتاحة، والشاب يبحث عن عمل مؤقت أو مشروع متناهي الصغر يوفر له ولأسرته الحد الأدنى من الدخل.
أما المرأة الغزية، فقد أصبحت في كثير من البيوت ركيزة اقتصادية أساسية، تدير ميزانية الأسرة بحكمة، وتبتكر مشاريع منزلية بسيطة، وتحوّل مهاراتها إلى مصادر رزق، مؤكدة أن قوة الاقتصاد تبدأ أحياناً من مطبخ صغير أو حرفة يدوية أو فكرة متواضعة.
والمثير للإعجاب أن *هذا الشعب، بالرغم مما مر به من فقدان ونزوح ودمار، لم يفقد محبته للحياة. فما زالت الأسواق تحاول النهوض، والمشاريع الصغيرة تفتح أبوابها، والأهالي يواصلون تعليم أبنائهم*، والأسر تحتفل بمناسباتها، والشباب يحلمون بمستقبل أفضل.
*ومن منظور اقتصادي، يمكن وصف هذه الظاهرة بـ«اقتصاد الإرادة والتأقلم»، وهو اقتصاد يعتمد على المرونة الاجتماعية، وإعادة تدوير الموارد، وتنويع مصادر الدخل، والاعتماد المتبادل بين أفراد المجتمع*. لكنه ليس بديلاً دائماً عن الاقتصاد المنتج، ولا ينبغي أن تتحول قدرة الناس على الصمود إلى مبرر لحرمانهم من حقوقهم في العمل والإعمار والاستقرار.
إن *غزة لا تحتاج إلى الإعجاب بصمودها فقط، بل إلى فرص حقيقية تعيد تشغيل اقتصادها، وتفتح أبواب الاستثمار والإنتاج والتجارة*، وتحوّل هذه الطاقات البشرية الهائلة من مجرد البحث عن البقاء إلى صناعة التنمية والازدهار.
ختاماً، كل التحية لشعب غزة الجبار، الذي لا يكل ولا يمل، والذي كلما أُغلق أمامه باب، بحث عن نافذة جديدة للأمل. شعب يملك من الإرادة ما يفوق إمكانياته، ومن محبة الحياة ما يتجاوز حجم المعاناة. فغزة قد تتعب، لكنها لا تتوقف عن المحاولة، وقد تضيق بها السبل، لكنها لا تتخلى عن حقها في الحياة.


