أعاد التحقيق المتلفز الذي بثته قناة الجزيرة، أول من أمس، عن القائد العام السابق لكتائب الشهيد عز الدين القسام الشهيد محمد الضيف، فتح صفحات من مسيرته النضالية التي امتدت لنحو ثلاثة عقود، كاشفًا عن تفاصيل وشهادات ومشاهد تعرض للمرة الأولى، تتعلق بحياته الشخصية والقيادية، وطبيعة دوره في التحولات التي شهدتها البنية العسكرية لكتائب القسام، وصولاً إلى معركة "طوفان الأقصى".
وتناول برنامج "ما خفي أعظم"، جوانب من رحلة المطاردة الاستخباراتية الإسرائيلية "للضيف" الذي ارتبط اسمه بلقب "رجل الظل" إلى جانب عرض مشاهد من اجتماعات قيادية سبقت معركة "طوفان الأقصى" وشهادات بشأن محطات مفصلية في مسيرته.
ولم يقتصر التحقيق على استعادة سيرة شخصية ظلت بعيدة عن الظهور الإعلامي لسنوات طويلة بل قدم مادة وثائقية أتاحت للجمهور الاطلاع على جوانب جديدة من شخصيته وطبيعة تفكيره ومسار تطور العمل العسكري داخل كتائب القسام.
قائد عسكري
وقال الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح: إن التحقيق يحمل أهمية كبيرة من ناحية توثيق مسيرة الضيف، الذي تحول إلى أحد الأسماء البارزة في التاريخ المعاصر للحركة الوطنية الفلسطينية، معتبرًا أن ما قدمه التحقيق المتلفز يتجاوز التعريف بشخصية قائد عسكري إلى استعادة تجربة امتدت عبر مراحل مختلفة من تاريخ المقاومة الفلسطينية.
وأضاف الصباح، لصحيفة "فلسطين": الضيف لم يكن مجرد قائد عسكري بل شخصية ارتبطت بمسيرة طويلة من العمل والتطور وشهدت مراحل وتحولات سياسية وميدانية متعاقبة، لافتاً إلى أن الفيلم ساعد في تقديم صورة أكثر تفصيلاً عن هذه المسيرة بعد سنوات من الغياب الإعلامي والغموض الذي أحاط بشخصيته.
وتابع أن "الضيف" ينتمي إلى جيل تشكل وعيه في ظل تداعيات النكبة الفلسطينية وهزيمة عام 1967، وأن تجربته ارتبطت بتحولات كبرى عاشتها القضية الفلسطينية بدءًا من الانتفاضة الأولى ومرورًا بالمراحل اللاحقة وصولاً إلى الأحداث التي شهدها السابع من أكتوبر.
ورأى الصباح، أن أهمية التحقيق تكمن في إعادة تقديم هذه التجربة أمام الأجيال الجديدة وإتاحة المجال أمام الباحثين والمهتمين لدراسة مسيرة "الضيف" والظروف التي أحاطت بها بعيدا عن الاكتفاء بالصورة المختصرة التي ارتبطت به بوصفه قائدًا عسكريًا مطلوبًا للاحتلال الإسرائيلي.
وأوضح أن إعادة استحضار شخصيته في هذه المرحلة تكتسب دلالات إضافية في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها الغزيون، وما يواجهونه من تداعيات حرب الإبادة، معتبرًا أن استعادة نماذج الصمود والثبات في الذاكرة الوطنية تمنح الأجيال مساحة للتأمل في تجارب الماضي واستخلاص الدروس منها.
وشدد الصباح، على أن الفيلم رغم أهميته التوثيقية لا ينبغي أن يكون نهاية المطاف في تناول سيرة "الضيف" بل بداية لفتح نقاش بحثي وتاريخي أوسع يتناول مختلف جوانب تجربته بما فيها الإنجازات والظروف السياسية والميدانية التي أحاطت بالقرارات الكبرى.
وتابع: التجربة تحتاج إلى دراسات وقراءات معمقة تستند إلى الوثائق والشهادات والوقائع بما يسمح بفهم التحولات التي مرت بها الحركة الوطنية الفلسطينية وكيف تشكلت رؤيتها وأدواتها خلال العقود الماضية.
وأشار إلى أن الرسالة الأخيرة التي وجهها "الضيف" قبل معركة السابع من أكتوبر تستحق قراءة متأنية في سياقها التاريخي والسياسي باعتبارها جزءًا من المادة التي ينبغي أن تخضع للدراسة والتحليل إلى جانب شهادات رفاقه والوثائق التي كشف عنها التحقيق.
شخصية قيادية
في حين قال الخبير بالشأن العسكري د. أيمن إسماعيل: إن التحقيق قدم مجموعة من المعطيات التي ساعدت في فهم ملامح شخصية "الضيف" القيادية وطبيعة الدور الذي أداه في قيادة العمل العسكري داخل كتائب القسام على مدار نحو ثلاثة عقود.
وأوضح إسماعيل، لصحيفة "فلسطين" أن التحقيق أظهر جوانب تتعلق بخلفية "الضيف" التعليمية وقدراته الشخصية إلى جانب المرونة في التعامل مع ظروف الملاحقة الأمنية والقدرة على التنسيق والتوجيه واتخاذ القرارات وهي سمات يراها من العوامل التي أسهمت في تشكيل تجربته القيادية.
وأضاف: التحقيق أتاح للجمهور تتبع مراحل تطور العمل العسكري من المجموعات الصغيرة والإمكانات المحدودة خلال الانتفاضة الأولى إلى مراحل لاحقة شهدت تغيرًا في طبيعة التنظيم والتسليح والتدريب والتصنيع المحلي وصولاً إلى امتلاك قدرات عسكرية أكثر تعقيدًا.
وأشار إلى أن من أبرز ما كشفه التحقيق طبيعة التحولات التي مرت بها كتائب القسام وكيف تعاملت قيادتها مع اختلاف الظروف والإمكانات في كل مرحلة، معتبرًا أن متابعة هذه التحولات تساعد على فهم السياق الذي تشكلت فيه القرارات العسكرية الكبرى.
وتابع إسماعيل، أن التحقيق عرض محطات بارزة من بينها عمليات استهداف (تل أبيب) خلال حرب عام 2012، وما ارتبط بحرب عام 2014، ثم أحداث معركة "سيف القدس" عام 2021، وصولاً إلى عملية السابع من أكتوبر 2023، موضحًا أن هذه المحطات تعكس تغيرًا في طبيعة المواجهة والإمكانات العسكرية.
تطور العمل العسكري
وقال إسماعيل: إن التحقيق قدم رواية تتناول الخلفيات التاريخية والسياسية والعسكرية لقرار تنفيذ عملية طوفان الأقصى من خلال عرض اجتماعات وشهادات وتفاصيل عن طبيعة النقاشات التي سبقت العملية الأمر الذي يتيح مساحة أوسع لفهم الظروف التي أحاطت بها.
وأشار إلى أن التحقيق أعاد تسليط الضوء على دور "الضيف" في مراحل متعاقبة من تطور العمل العسكري وعلى طبيعة العلاقة بين المستويين العسكري والسياسي، وما تفرضه القرارات الميدانية من حسابات مرتبطة بالظروف والإمكانات والأهداف.
وبين القراءتين السياسية والعسكرية، يطرح التحقيق أسئلة تتجاوز حدود سيرة "الضيف" لتصل إلى طبيعة الذاكرة الفلسطينية وكيفية توثيق المراحل المفصلية من تاريخ القضية.
فالمادة التي عرضتها قناة "الجزيرة" الفضائية، لا تقتصر أهميتها على كشف تفاصيل ظلت غائبة عن الجمهور بل تتيح فرصة لتوثيق مسار امتد سنوات طويلة والتعرف على الظروف التي أحاطت بتشكل القرارات.
وبينما يرى الصباح، أن التحقيق يشكل مدخلاً لإعادة قراءة تجربة وطنية وتاريخية أوسع، يعتبر إسماعيل، أنه قدم معطيات تساعد على فهم طبيعة التحولات العسكرية والقيادية التي سبقت السابع من أكتوبر.
وأعاد التحقيق شخصية محمد الضيف، إلى واجهة النقاش الفلسطيني ليس فقط باعتباره قائدًا عسكريًا أحاطت به السرية والغموض وإنما بوصفه شخصية ارتبطت بمحطات متعاقبة من تاريخ الحركة الفلسطينية وأصبحت سيرتها موضوعًا مفتوحًا أمام الباحثين والكتاب والمحللين، في محاولة لفهم الماضي وتوثيق الذاكرة وقراءة تداعيات الحاضر واستحقاقات المستقبل.


