من عتمة المطاردة إلى ضوء الكاميرا، خرج القائد محمد الضيف بعد ثلاثة عقود من العيش في الظل، حاملا في صوته ذاكرة جيل، وفي سيرته حكايات رجال غرسوا أعمارهم في تراب فلسطين، ومضوا وهم يدركون أن ما يزرعونه اليوم ستكمله أجيال من بعدهم نحو التحرير.
من بندقية الفدائي الأول إلى «طوفان الأقصى»، امتدت مسيرة مقاومة ذات جذور ضاربة في الأرض، تعاقبت خلالها الأجيال وتطورت أدوات المواجهة، حتى أعادت رسم ملامح الصراع.
ولعل ما كشفه برنامج «ما خفي أعظم» يعيدنا إلى البدايات، حين كان الفدائي الأول يشتري بندقيته بذهب زوجته، أو يدخل المواجهة بلا سلاح، أملا في اغتنام بندقية عدوه، ثم يعود بها ليعزز صفوف رفاقه.
من تلك الإمكانات المحدودة، ومن تضحيات البيوت الفلسطينية، بدأت حكاية مقاومة شقّت طريقها عبر سنوات طويلة، فكانت فلسطين كلها بيتا للضيف؛ أزقتها ومخيماتها ومزارعها ووديانها تضاريس ذاكرته، حفظ طرقها أكثر مما حفظ طريق منزله، وعاش متنقلا حيث تفرض المطاردة، حتى غدت جغرافيا البلاد مأواه، ولم يكن وحده في هذه الرحلة؛ فقد استحضرت تسجيلات الجزيرة رفاق دربه، من القادة الذين غابوا شهداء، تاركين أثرهم في مسيرة المقاومة.
عبر سيرة هؤلاء الرفاق، انتقل البرنامج إلى داخل المؤسسة العسكرية، عارضا اجتماعا لقادة الألوية وهيئة الأركان في كتائب القسام، بما كشفه من ملامح القيادة وتراكم الخبرة، لم تكن الصور مجرد توثيق، بل نافذة على عالم تشكل بعيدا عن الأضواء، وصاغته سنوات من العمل والتضحيات.
وفي سياق العلاقة التي جمعت القادة والرفاق، برز يحيى السنوار متأثرا باكيا عقب معركة «سيف القدس»، وهو يوجه إلى الضيف عبارته: «أنت تاج الرؤوس يا أبا خالد»، اختصرت تلك اللحظة عمق الرفقة وثقل المسؤولية، وما جمع الرجلين من هموم وطن وقضية.
ومن قاعات الاجتماعات إلى الأمكنة التي احتضنت مسيرتهم، أخذتنا الكاميرا إلى الأنفاق التي عاش فيها رجال الله بعيدا عن ضوء النهار، ومواقع اللقاء وخنادق المواجهة، وهناك حضرت صواريخ العياش وطائرات الزواري، وبطولات عماد عقل، وإسهامات عدنان الغول ومهندسي القسام في تطوير القدرات وصناعة العتاد.
وكشفت هذه المحطات جانبا من التحولات التي مرت بها التجربة، والثأر للمقدسات والقادة الشهداء، والجهود التي بذلها رجالها في تطوير أدوات المواجهة.
أما طوفان الأقصى، فقد كشفت محاضر الاجتماعات التي عرضها البرنامج جانبا من الإعداد للسابع من أكتوبر؛ إذ أظهرت أن التحضير امتد لسنوات، وأن القرار مر بمشاورات وتقييمات طويلة بين المستويين السياسي والعسكري، في وجود الانتهاكات الحاصلة في القدس والأقصى والأسرى وحصار غزة وانسداد الأفق السياسي، بعد معركة «سيف القدس» عام 2021 وهي محطة مهمة في تطوير الجاهزية، هكذا أضاءت الوثائق مسارا من التحولات انتهى إلى «طوفان الأقصى».
لكن خلف القائد الذي عاش سنوات المطاردة والاختفاء، ظهرت صورة إنسانية مختلفة، قرب حديقة من الورود، اقترب الضيف من زهرة واستنشق عطرها، بقيت البندقية على كتفه، لكن عينيه كانتا عند الوردة؛ فذلك الذي عرف الأنفاق والجبال والطرق الوعرة، ظل يحمل في داخله صلة بالأرض وجمال الحياة.
وفي اللقطة الأخيرة، ترك عبارته: «كما أنت هنا مزروع أنا، ولي في هذه الأرض آلاف البذور». لم تكن الكلمات مجرد وصف لزهرة، بل اختصرت حكاية رجال غرسوا في الأرض بذورا تحمل أثرهم وتستظل في ظلها الأجيال القادمة لتواصل المسير.


