#رسالة_قرآنية_من_محرقة_غزة
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]
من قلب الغياب خرجت الصور، وعادت الأصوات التي حجبتها سنوات المطاردة والحرب، وانفتحت أمام الجمهور صفحات من تاريخ ظل طويلًا وراء الأبواب المغلقة. في حلقة "ما خفي أعظم" عن محمد الضيف، اجتمعت الشهادة الشخصية والوثيقة والمشهد المسجل لتضع بين أيدي المتابعين مادة جديدة عن مرحلة تركت آثارها العميقة في فلسطين والمنطقة.
تتبعت الحلقة وعايشت مسيرة الضيف من النشأة والدراسة والاعتقال إلى قيادة كتائب القسام، وعرضت تسجيلات لاجتماعات ولقاءات ووثائق متصلة بالتخطيط للسابع الأكتوبري، وفق ما نشرته الجزيرة عن التحقيق. وبهذا دخل الأرشيف إلى المجال العام، حاملًا تفاصيل تتيح قراءة التجربة من داخل جانب من سجلها، إلى جوار الروايات والشهادات الأخرى.
للأرشيف في حياة الشعوب معنى يتجاوز حفظ الصور.
إنه صلة بين الذين عاشوا الحدث والذين سيرثون نتائجه، وحاجز أمام محو الأسماء وتبديد الوقائع. وحين تتعرض البيوت والمؤسسات والجامعات للتدمير، تصبح حماية الوثيقة جزءًا من حماية الوجود نفسه؛ لأن اقتلاع الإنسان من مكانه يتضاعف حين تُقتلع حكايته من التاريخ.
ومن هنا يمكن فهم الدلالة السياسية لنشر هذه المواد، والتي ستستمر منهجا. فما كان محفوظًا في نطاق السرية أصبح شاهدًا متاحًا للبحث والتأريخ. وانتقلت المشاهد من دوائرها الخاصة إلى ذاكرة عامة يتنازع أطراف الصراع تفسيرها.
وبات في مقدور الفلسطيني أن يضيف شهادته وصورته ووثيقته إلى سجل طالما امتلكت دولة الإحتلال وسائل أوسع لتقديمه للعالم.
وقد استوقفت الجماهير تفاصيل إنسانية حملتها التسجيلات، من الحديث عن الحياة الشخصية والاهتمامات المبكرة، إلى الانفعال والتواصل بين الأشخاص الظاهرين فيها. وفي هذه التفاصيل تتسع معرفة الجمهور بشخصيات ظلت محصورة في الصور الأمنية والبيانات العسكرية.
إن استعادة الإنسان من اختزاله مهمة معرفية وأخلاقية. فالوجوه تحمل تاريخًا عائليًا واجتماعيًا، والأسماء تنتمي إلى أحياء وقرى وبيوت وتجارب فقد. وتبقى دراسة القرارات وآثارها قائمة إلى جانب هذا الفهم؛ فالتوثيق يتسع للإنسان ومسؤوليته معًا، وتظل غزة وتضحياتها معيارًا ثابتًا في قراءة جميع مراحل الصراع.
وفي التفاعل الواسع مع الحلقة ظهر وجه آخر للحكاية: حزن وجد في الصورة منفذًا بعد طول احتباس. حملت التعليقات شعورًا بفقد لم يجد طقوسه الكاملة، وبوداع تعطلت إمكاناته تحت الحرب. وهكذا أدت التسجيلات، لدى الجماهير، وظيفة الحداد المؤجل؛ أعادت الصوت إلى الاسم، والملامح إلى الذاكرة، وجعلت الغياب أكثر حضورًا في وجدان جمهور طحنته المحنة.
وتقدم صور الاجتماعات والوثائق مادة لدراسة بنية العمل التنظيمي والعلاقة بين مستوياته السياسية والعسكرية. فالأرشيف يضع أمام الباحث آثارًا مكتوبة ومصورة للتنسيق وصناعة القرار، ويتيح تتبع تطور التنظيم عبر سنوات متعاقبة. وتكتسب هذه المادة قيمتها الأوسع حين تُجمع وتُفهرس وتُدرس ضمن تسلسلها التاريخي، فتتحول المشاهد المتفرقة إلى معرفة منظمة.
وفي هذا السياق، أورد التحقيق وثيقة من فبراير/شباط 2023 تتعلق ببدء التحضير لما سُمي «مشروع فهد»، مع النص على إمكان إلغائه إذا تراجعت (إسرائيل) عن اعتداءاتها، ووثيقة أخرى تتصل بأمر التنفيذ في الخامس من أكتوبر.
وتضيف هذه المواد، عناصر إلى دراسة المداولات التي سبقت الهجوم وعلاقة التخطيط العسكري بتقديرات القيادة السياسية والأمنية. فمعرفة الدوافع ومسار اتخاذ القرار تعمق الفهم التاريخي، فيما تظل المسؤولية قائمة.
كما تمنح المشاهد الجديدة درسًا في التعامل مع الرواية الاستخبارية. فالمعرفة الأمنية تظل معرفة بشرية لها حدودها وثغراتها، والصورة المؤرخة والشه١دة الموثقة قادرتان على تصحيح تصورات اكتسبت مع التكرار صفة اليقين.
وتزداد أهمية هذا الدرس في الحروب، حيث تتداخل المعلومة مع الدعاية، ويصبح نشر الرواية الموثوقة جزءًا من معركة الوعي والسردية.
إن المسؤولية التي يفتحها هذا الأرشيف تمتد إلى مراكز التأريخ والدراسات والجامعات والمؤسسات الإعلامية: حفظ الأصول، وتوثيق التواريخ، وجمع الشهادات، وصيانة حقوق أصحابها، وإتاحة المادة للبحث المسؤول. بذلك يكتسب التأثر عمرًا أطول من لحظة البث، ويتحول إلى عمل يحمي الذاكرة من التبعثر.
ستبقى #غزة أكبر من شاشة، وأوسع من أرشيف، وأثقل من قدرة الكلمات على حمل أوجاعها. لكن كل شه١دة محفوظة تنتزع جزءًا من الحقيقة من خطر الضياع، وكل اسم يُوثق يعيد إلى صاحبه مكانه في الحكاية.
وفي هذه الأرض التي دفعت كلفة هائلة من حياة أبنائها، يغدو عهدنا بحفظ التاريخ عهدًا للأحياء والأجيال القادمة: أن تبقى الوقائع معلومة، والحقوق حاضرة، والإنسان و#غزة في قلب الرواية.


