عاش القائد الشهيد محمد الضيف ثلاثة عقود كان خلالها من أوائل المنخرطين والمؤسسين لتشكيلات المقاومة، ولم يكن غياب امتلاك الأسلحة عائقًا أمام الضيف لتنفيذ عمليات مقاومة عبر مهاجمة جنود جيش الاحتلال والاستيلاء على أسلحتهم، والإشراف على التخطيط والتنفيذ بنفسه، والتنقل بين القطاع والضفة لتوحيد العمل المقاوم، فكان همه من البداية قضية الأسرى التي حملها على عاتقه، حتى انتقل بالمقاومة نقلة نوعية على مدار 30 عاما أصبحت أشبه بجيش منظم له هيئة أركان وتشكيلات عسكرية تمتلك أنفاقا وصواريخ ومسيرات، تجلت مسيرته بقيادة الهجوم التاريخي في السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023 والإعلان عن انطلاق معركة "طوفان الأقصى" التي هزت المشروع الصهيوني في المنطقة.
وتتبع برنامج "ما خفي أعظم" الاستقصائي لقناة الجزيرة ومقدمه الإعلامي تامر المسحال أمس تفاصيل ثلاثة عقود من المطاردة الاستخباراتية المعقدة لـ"رجل الظل" و"المطلوب الأول في غزة"، كما بث مشاهد لأول مرة من اجتماعات القسام قبل معركة "طوفان الأقصى"، وتسجيلات مرئية عبر مراحل مختلفة للضيف روى بنفسه تفاصيلها عن بداية العمل وعمليات مقاومة نوعية نفذت.
يقول الضيف الذي استشهد يوم 13 يوليو/ تموز 2024 وفق إعلان جيش الاحتلال أنه استهدفه بغارات جوية استهدفت منطقة المواصي بخان يونس، فيما نعته كتائب القسام في 30 يناير/ كانون ثاني 2025: "لقد انتدبنا الله عز وجل للجهاد في سبيله، ومقاومة أعدائه في هذه الأرض المباركة، فحملنا الراية وتقدمنا لهذا الواجب المقدس. وحشدنا لهذه المعركة العظيمة كل إمكانياتنا التي جبلت بدماء الشهداء وبعقود من العمل الدؤوب وتجشم كل الصعاب، كل الصعاب والنحت في الصخر وتحدي المستحيل".
واعتُقل الضيف واسمه الحقيقي محمد دياب إبراهيم المصري لدى الاحتلال عام 1989 وأمضى 16 شهرا في الأسر، ونجى من 7 محاولات اغتيال بالغة التعقيد وفي وقت كان يعتقد الاحتلال أنه فقد القدرة على المشي أظهرت لقطات عرضه البرنامج الضيف واقفا وهو يقود ويعلن عن معركة طوفان الأقصى.
وشكّلت مجزرة الحرم الإبراهيمي عام 1994، التي ارتكبها المستوطن باروخ غولدشتاين وأسفرت عن استشهاد 29 فلسطينيًا خلال صلاة الفجر، محطة مفصلية في تلك المرحلة؛ إذ أشرف الضيف على الإعداد للرد على المجزرة، عبر عمليات عسكرية نفذها مقاومان في كتائب القسام. وفي العام نفسه، برز دوره في عملية أسر الجندي الإسرائيلي نحشون مردخاي، ولاحقا تم قتله بعد وصول قوات إسرائيلية خاصة للمكان.
وخلال البرنامج، تحدث الضيف عن لقائه بالشهيد القائد صلاح شحادة، أثناء توجهه من السجن إلى جلسة محاكمة، وأنه أكد على مواصلة العمل المقاوم خارج السجن بعد الإفراج عنه، وروى تفاصيل عن تنقله بعد ذلك إلى الضفة الغربية نتيجة قلة السلاح في غزة لتنفيذ عمليات مقاومة بالضفة وهناك التقى بالشهيد المهندس يحيى عياش، وخلال عدة أشهر كما روى الضيف كان ينام أهل قرى الضفة بعد العشاء، وكان هذا الوقت فرصة للضيف ورفاقه للتنقل بين الجبال قبل أن يعود للقطاع.
وعرض البرنامج اتساع رقعة العمل المشترك بين الضيف وعياش الذي انتقل للقطاع واغتاله الاحتلال في يناير/ كانون ثاني 1996، ولتدخل المواجهة مرحلة جديدة حملت عنوان "الثأر المقدس".
في 1 أكتوبر/ تشرين أول 1997، أفرج الاحتلال عن مؤسس حركة حماس الشيخ أحمد ياسين في إطار صفقة تبادل، وخلال لقائه مع الشيخ الياسين جرى التوجيه بزيادة الاهتمام بشراء السلاح وزيادة الأفراد، وتنفيذ عمليات أسر، وعام 2000 اعتقلت السلطة الضيف قبل أن يخرج من الاعتقال مع اندلاع انتفاضة الأقصى، وعمل مع صلاح شحادة بإعادة تنظيم الكتائب وتشكيل المناطق وترتيب الأفراد.
وبعد اغتيال شحادة عام 2002، تسلّم الضيف قيادة كتائب القسام، لتبدأ مرحلة جديدة من مسيرتها العسكرية امتدت لنحو عقدين، شهدت خلالها تحولات نوعية في بنيتها وقدراتها.
وفي السنوات التي أعقبت معركة "العصف المأكول" عام 2014، لم يقتصر دور الضيف على تطوير القدرات العسكرية، بل ارتبط أيضًا برسم مسار المواجهة، في ظل جولات متعاقبة من التصعيد، سعت خلالها كتائب القسام إلى تنسيق العمل مع مختلف مكونات جبهات المواجهة، وتعزيز مفهوم وحدة الساحات. وكانت القدس والمسجد الأقصى محورًا أساسيًا في هذا التوجه، باعتبارهما عنوانًا جامعًا لمختلف جبهات المواجهة.
5 رسائل
ورأى الكاتب والمحلل السياسي د. إياد القرا أن ما بثته قناة الجزيرة لم يكن مجرد كشف عن سيرة محمد الضيف، بل تقديم سردية سياسية وتاريخية واضحة، مفادها أن طوفان الأقصى لم يكن قرارًا ارتجاليًا أو حدثًا معزولًا، وإنما جاء، نتيجة أربعة عقود من العمل المقـاوم، وفي سياق قضايا وطنية ظلت حاضرة في صدارة الأولويات.
وقال القرا لصحيفة "فلسطين" إن الفيلم حمل خمس رسائل، الأولى تتمثل بارتباط ا تاريخ محمد الضيف بتطور العمل المقاوم الفلسطيني الحديث، وتراكم خبراته وقدراته على مدار أربعة عقود، والثانية أن الفيلم أبرز وحدة القضية والعمل المقاوم، والترابط بين الساحتين رغم محاولات الفصل الجغرافي والسياسي بينهما.
أما الرسالة الثالثة وفق القرا هي أن القدس والأقصى والأسرى والاستيطان ظلت في صدارة الأولويات، من مواجهة الاستيطان في غزة إلى مقاومة توسعه في الضفة الغربية، والرابعة تتمثل في تراكم الجهد والإعداد إذ عرض الفيلم مسارًا طويلًا من التخطيط والعمل وتطوير القدرات، ليؤكد في روايته أن ما جرى لم يكن وليد لحظة عابرة.
وأشار إلى أن الرسالة الخامسة هي جماعية قرار الطوفان، فقدّم الفيلم القرار باعتباره نتاج مشاورات وتقديرات وتحضيرات جماعية، وليس قرارًا فرديًا أو انفعاليًا، مؤكدا أن الرسالة الأهم: لم يقدّم الفيلم محمد الضيف بوصفه شخصية منفصلة عن تاريخ القضية الفلسطينية، بل باعتباره جزءًا من مسار ممتد، تتداخل فيه التجربة الشخصية مع التحولات السياسية والميدانية.
وأكد أن الفيلم حاول نقل النقاش من سؤال ماذا جرى في السابع من أكتوبر إلى سؤال أعمق: ما السياقات التاريخية والسياسية التي قادت إلى اتخاذ القرار؟
مسارات من التشاور
ويقول الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة، إن الوثائق والمحاضر والشهادات التي عرضها برنامج "ما خفي أعظم" تظهر أن قرار معركة "طوفان الأقصى" تبلور عبر مسار من المشاورات والتقييمات بين المستويين السياسي والعسكري، بالتوازي مع إعداد ميداني طويل. ومن الضروري هنا التمييز بين بناء القدرة على تنفيذ عملية بهذا الحجم، واتخاذ القرار السياسي بتنفيذها، ثم تحديد توقيتها.
وأضاف عفيفة لصحيفة "فلسطين" أن على المستوى العسكري، تشير الشهادات إلى أن التحضيرات امتدت سنوات، وأن مرحلة ما بعد معركة "سيف القدس" عام 2021 كانت محطة مهمة في تطويرها. انصبّ الجهد على تعزيز الجاهزية في مختلف التخصصات، وبناء تقدير موقف ميداني يحدد ما تستطيع كتائب القسام تنفيذه. ولذلك، يبدو أن نضوج القدرة العسكرية كان عاملًا أساسيًا في انتقال الفكرة إلى خيار قابل للتنفيذ.
وتابع: "لكن الجاهزية وحدها لا تفسّر القرار. فالقراءة السياسية للمحاضر، كما عُرضت، تشير إلى ارتباطه بتصاعد الانتهاكات في القدس والمسجد الأقصى، والخشية من فرض وقائع تمسّ وضعه وهويته، بما بدا للقيادة اقترابًا من نقطة يصعب التراجع عنها. وتزامن ذلك مع تشديد الإجراءات بحق الأسرى في ظل تولّي إيتمار بن غفير وزارة الأمن القومي، على نحو جعل أوضاع السجون، في تقديرها، قابلة للانفجار. وفي الخلفية، استمر حصار غزة، وغاب أفق سياسي يستطيع الفلسطينيون التعويل عليه لتغيير واقعهم".
ولفت عفيفة، إلى وجود نقاش بشأن إمكان تجنّب المواجهة إذا نجحت الجهود السياسية في كبح إجراءات حكومة الاحتلال. وهذا يوحي بأن التحضير العسكري لم يكن يعني، في كل مراحله، حسم قرار التنفيذ؛ بل ظل مرتبطًا بتقدير جدوى الوساطات وإمكان إحداث تغيير سياسي وميداني.
وأكد أن القرار تبلور عند التقاء عاملين: تقدير عسكري بامتلاك القدرة على تنفيذ ضربة واسعة، وقناعة سياسية متزايدة بأن استمرار الانتظار سيتيح للاحتلال فرض مزيد من الوقائع، خصوصًا في الأقصى وملف الأسرى.
ويعتقد أن القيادة وصلت إلى استنتاج بأن الوسطاء والمنظومة الدولية لم يعودوا قادرين على كبح الحكومة الإسرائيلية.