☰
✕

قائمة الموقع

انتظرنا التغيير.. فكان الاستيطان!

2026-10-31T07:39:00+02:00
لافتة انتخابية في "تل أبيب"
فلسطين أون لاين

على مدى ثلاثة عقود، بنت القيادة الفلسطينية جزءاً كبيراً من حساباتها السياسية على فرضية أن المجتمع الصهيوني سيتحول يوماً ما نحو السلام، وأن صناديق الاقتراع ستفرز عاجلاً أو آجلاً قيادة أكثر اعتدالاً، *مضت السنون، وتعاقبت الحكومات، وتغيرت التحالفات، لكن الاحتلال لم يقترب من نهايته، بل اتجهت المنظومة السياسية والمجتمعية في الكيان نحو مزيد من اليمين*، حتى باتت الدولة الفلسطينية تبدو مشروعاً محاصراً بوقائع يصعب تجاوزها.

*لم يكن التحول الإسرائيلي مجرد صعود لأحزاب يمينية، بل انتقالاً في حدود الخطاب السياسي نفسه، فالاستيطان يتوسع، والحقوق الفلسطينية تتراجع، ورفض الدولة الفلسطينية لم يعد موقفاً هامشياً*، في حين تواصل قطاعات واسعة من الطبقة السياسية التعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم مشكلة أمنية ينبغي احتواؤها، لا شعباً له حقوق وطنية يجب الاعتراف بها. وفي المقابل، بقي الخطاب الفلسطيني الرسمي أسير مفردات التسوية والمفاوضات، من دون مراجعة تتناسب مع حجم التغير الذي طرأ على بنية الاحتلال.

وصل التناقض إلى حد أن الحديث عن الدولة الفلسطينية يستمر فيما تتقلص الأرض المفترض أن تقوم عليها، وتتقطع أوصالها بفعل الاستيطان والحواجز والسيطرة العسكرية. أما القدس، التي طالما وعدتنا القيادة بأن طفلاً فلسطينياً سيرفع العلم الفلسطيني يوماً ما على أسوارها، فقد بات الوصول إليها من الضفة الغربية يخضع للمنع والتصاريح والإغلاقات، حتى أصبحت الصلاة في المسجد الأقصى أمراً بالغ الصعوبة على الكثيرين، وحلماً لدى الغالبية. فأي مشروع وطني هذا الذي يتحدث عن عاصمته فيما يعجز شعبه عن الوصول إليها؟ وأي عملية سياسية يمكن أن تنهي الاحتلال بينما تتقدم الوقائع على الأرض في الاتجاه المعاكس؟

في هذا السياق، يبدو الحديث عن خسارة اليمين الإسرائيلي للمعركة الانتخابية قراءة قاصرة، حتى لو عجز نتنياهو عن جمع المقاعد اللازمة لتشكيل الحكومة، فالمعركة لا تختزل في قدرة شخص على تشكيل ائتلاف، ولا في عدد المقاعد التي تحصل عليها الأحزاب المصنفة يمينية، لكن المعيار الحقيقي هو طبيعة الأفكار التي تتبناها هذه البنية الاستعمارية، وحدود الاختلاف بين الأحزاب المتنافسة في مواقفها من الفلسطينيين والاستيطان والقدس والدولة الفلسطينية.

حين يتنافس معسكر نتنياهو وما يسمى معسكر التغيير، ثم يتبنى قادة في المعسكر الأخير مواقف متشددة من القضايا الفلسطينية، أو يتسابقون في إظهار الولاء للصهيونية ويرفضون الشراكة السياسية مع المواطنين العرب، يصبح الحديث عن انتصار اليسار أو هزيمة اليمين تلاعباً بالمسميات. قد يخسر نتنياهو مقاعد، وقد تتغير تركيبة الحكومة، لكن ذلك لا يعني أنهم يقتربون من الاعتراف بالحقوق الفلسطينية، فاليمين لا يحتاج دائماً إلى السيطرة المنفردة على الحكم ما دامت أفكاره تشكل السقف الذي لا يجرؤ منافسوه على تجاوزه.

*المشكلة الفلسطينية، إذاً، لا تكمن في قراءة نتائج الانتخابات الإسرائيلية فحسب، بل في غياب مراجعة سياسية جدية لما تعنيه هذه النتائج*، فقد تعاملت القيادة الفلسطينية مع التغيير المرجو باعتباره عاملاً قادراً على فتح الطريق أمام التسوية السياسية، دون أن تبني استراتيجية بديلة تحسباً لاستمرار الرفض، وهكذا تحولت المفاوضات من أداة لتحقيق أهداف وطنية إلى مسار قائم بذاته، يستمر رغم تراجع فرص نجاحه، بل انعدامها، فيما بقيت أسئلة الوحدة والشرعية وفاعلية المؤسسات مؤجلة.

ولا يمكن تبرير هذا الجمود بالظروف الخارجية وحدها، صحيح أن موازين القوة مختلة، وأن الدعم الدولي للاحتلال يحد من قدرة الفلسطينيين على فرض تغيير سريع، لكن ذلك يجعل ترتيب البيت الداخلي أكثر ضرورة، لا أقل. فكيف يمكن مواجهة مشروع استيطاني منظم بقرار فلسطيني منقسم؟ وكيف يمكن بناء ضغط دولي فعال من دون استراتيجية موحدة وقيادة تستند إلى شرعية شعبية متجددة؟ إن انتظار تغير موازين القوة من تلقاء نفسها لا يعفي القيادة من مسؤولية بناء ما تستطيع من عناصر القوة.

الخروج من هذا المأزق يبدأ بإنهاء الانقسام وبناء شراكة سياسية حقيقية، وتجديد شرعية المؤسسات عبر الانتخابات، وإعادة بناء منظمة التحرير لتكون ممثلاً فعلياً لجميع الفلسطينيين، ويقتضي ذلك أيضاً مراجعة تجربة أوسلو بصورة صريحة، لا تبادل الاتهامات حول إخفاقاتها، بل لتحديد ما بقي من الاتفاق بعد عقود من الاستيطان وغياب أفق الدولة، وصياغة أهداف وطنية واضحة وشروط محددة لأي مسار تفاوضي مقبل.

كذلك، *تحتاج المرحلة إلى إستراتيجية عملية لمواجهة الاستيطان والتهويد، تحمي الوجود الفلسطيني على الأرض، وتدعم صمود الناس في المناطق المهددة، وتوسع العمل القانوني والدبلوماسي لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وجرائم الحرب*، وينبغي توجيه العلاقات الدولية نحو بناء تحالفات قادرة على ممارسة ضغط سياسي وقانوني مستمر، بدلاً من ربط الخيارات الفلسطينية بتبدل الإدارات الأمريكية أو حكومة إسرائيلية أقل تطرفاً، ولا بد أن تقترن هذه السياسات بجدول عمل معلن، ومؤشرات قابلة للقياس، ومحاسبة سياسية للمسؤولين عن التنفيذ.

بعد عقود أوسلو، لم يعد كافياً تفسير ما يجري في دولة الاحتلال أو انتظار تبدل اتجاهاتها، فالمطلوب أن تعيد القيادة الفلسطينية تعريف دورها، وأن تنتقل من إدارة الأزمة إلى بناء استراتيجية وطنية تستند إلى الوحدة والشرعية والمبادرة، فالدبلوماسية لا تعوض غياب القرار، والبيانات لا تحمي الأرض، والوعود لا تفتح أبواب القدس.

لقد ضاع وقت طويل من التعويل على تحولات لم ولن تحدث، لكن ما تبقى لا يزال يستحق الدفاع عنه، ولا يعني ذلك أن الطريق بات ممهداً، أو أن برنامجاً فلسطينياً جديداً سيغير موازين القوة بين ليلة وضحاها، بل إن استمرار النهج ذاته لن ينتج سوى مزيد من الخسائر، والسؤال اليوم ليس متى يتغير الاحتلال، بل هل تملك القيادة الفلسطينية الشجاعة لمراجعة نفسها، وإعادة بناء المشروع الوطني وأدوات المواجهة بما يتناسب مع الواقع القائم، قبل أن تصبح الدولة التي تطالب بها مجرد نقش على خارطة لم يعد له مكان على الأرض؟

.......

اخبار ذات صلة