☰
✕

قائمة الموقع

الاتصال قبل القتل..  هل يصبح التحذير صك براءة لإسرائيل؟

2026-10-30T13:39:00+02:00
فلسطين أون لاين

تروج وسائل إعلام، نقلا عن رواية منسوبة إلى القناة الإسرائيلية كان، وكذلك لمواطنين في قطاع غزة، أن ضباطا في جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) يتصلون بأشخاص تصفهم إسرائيل بأنهم عناصر في حركة حماس أو الفصائل الفلسطينية، ويخيّرونهم بين الابتعاد عن عائلاتهم ومواجهة الموت منفردين، أو البقاء بينهم وتعريضهم لخطر القصف. وبحسب الرواية المتداولة، فإن الاتصال يسبق عملية القتل بوقت قصير، وكأن إسرائيل تقدم للمستهدفين فرصة أخيرة لإنقاذ عائلاتهم، وتمنح نفسها في الوقت ذاته مظهرا إنسانيا باعتبارها حريصة على تجنيب المدنيين القتل.

يستدعي انتشار هذه الرواية التوقف عند توقيتها ودلالاتها والوظيفة التي يمكن أن تؤديها في الخطاب الإسرائيلي. فقد بدأ تداولها بعد عرض الفيلم الوثائقي البريطاني "نازا" (NAZA)، الذي أخرجه يوفال أبراهام وراحيل شور، واستند إلى شهادات 24 من ضباط الاستخبارات والجنود الإسرائيليين، تحدثوا عن آليات المراقبة وتحديد الأهداف واستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية بقطاع غزة. وتكشف الشهادات، وفق ما عرضه الفيلم، أن قوات الاحتلال كانت تمتلك معلومات مسبقة عن الأشخاص المستهدفين ومواقع وجودهم، وعن عدد المدنيين المتوقع مقتلهم في هذه الهجمات، وأن هذه المعطيات دخلت في حسابات الموافقة على تنفيذ الضربات.

جاء الفيلم ليكشف جانبا من آليات اتخاذ القرار العسكري الإسرائيلي، ويطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الأهداف التي اختارتها إسرائيل، وحجم الخسائر المدنية التي قبلت بها، ومدى جدية ادعاءاتها بشأن اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية السكان. 

وفي هذا السياق، تبدو رواية الاتصال قبل القتل محاولة لإعادة تقديم الصورة من زاوية أخرى، تنقل الاهتمام من مسؤولية الجهة التي تختار تنفيذ الهجوم (جيش الاحتلال) وتحدد حجم الخسائر المتوقعة، إلى السلوك المفترض للشخص المستهدف، وما إذا كان قد اختار الابتعاد عن عائلته أم البقاء معها.

هنا تكمن الوظيفة الدعائية للرواية، فبدلا من أن يكون السؤال عن سبب استهداف شخص وسط عائلته، وعن مشروعية قتله والوسائل التي اختيرت لتنفيذ العملية، يصبح السؤال عما إذا كان قد استجاب للاتصال وغادر منزله. وبهذا التحول، تنتقل المسؤولية في الخطاب الإعلامي من القوة التي تملك قرار القتل ووسائله ومعلوماته إلى الشخص الذي يتعرض للتهديد، وكأن بقاءه مع أسرته هو الذي يفسر سقوط الضحايا، لا قرار المهاجم باستخدام القوة في منطقة مأهولة.

الاتصال قبل القتل.. رواية جديدة لوظيفة قديمة

لا يمكن التعامل مع الاتصال بهدف القتل باعتباره ممارسة إنسانية جديدة في سلوك جيش الاحتلال الإسرائيلي، بل ينبغي وضعه ضمن سياق طويل من استخدام الاتصالات الهاتفية والرسائل وما يسمى القصف التحذيري قبل استهداف المنازل والمباني السكنية. فقد استخدمت إسرائيل هذه الوسائل قبل حملة الإبادة الجماعية الحالية وخلالها، وأطلقت عليها تسميات مثل "الإنذار المسبق" و"طرق السطح"، و"الصاروخ التحذيري" وقدمتها باعتبارها إجراءات تهدف إلى إتاحة الفرصة أمام السكان لمغادرة المباني قبل قصفها.

لكن التجربة الميدانية أظهرت مرارا أن الاتصال لا يعني بالضرورة توفير فرصة حقيقية للنجاة. ففي حالات كثيرة، وفق ما وثقته منظمات حقوق الإنسان، تلقى السكان اتصالات قبل دقائق من القصف، ولم يحصلوا على الوقت الكافي لمغادرة المبنى، أو لم تتوفر لهم أماكن آمنة يلجؤون إليها. وفي حالات أخرى، أعقب الاتصال قصف المبنى، ما أدى إلى تدميره وإلحاق أضرار بالمنازل المجاورة، وسقوط ضحايا بين السكان، بمن فيهم أشخاص لم يتمكنوا من المغادرة.

وينطبق الأمر ذاته على ما يعرف بالقصف التحذيري، أو طرق السطح، الذي تستخدم فيه قوات الاحتلال ذخائر صغيرة لإصابة سطح المبنى او جزء منه قبل تنفيذ الغارة الرئيسية. فهذه الضربة ليست مجرد إشارة صوتية أو وسيلة تنبيه، وإنما استخدام فعلي للسلاح، قد يتسبب في إصابات وأضرار، ولا سيما عندما يجهل السكان طبيعة المقذوف أو يتجمعون في محيط المبنى أو لا يمتلكون الوقت الكافي للإخلاء. كما أن الفاصل الزمني بين الضربة التحذيرية والقصف الرئيسي قد لا يسمح لهم بمغادرة المكان بأمان، فضلا عن استحالة نقل ممتلكاتهم أو احتياجاتهم الأساسية.

وبالتالي، لا ينبغي التعامل مع إجراء اتصال أو إطلاق مقذوف تحذيري باعتباره دليلا على احترام حياة المدنيين. فالعبرة ليست بوجود رسالة أو مكالمة، وإنما بمدى فعاليتها، والوقت الذي أتاحته، وإمكانية الوصول إلى مكان آمن، والظروف التي أحاطت بالهجوم. والأهم أن التحذير لا يمنح المهاجم حق قصف هدف غير مشروع، ولا يسقط الحماية القانونية عن الأشخاص الذين لم يتمكنوا من المغادرة أو اختاروا البقاء لأسباب تتعلق بسلامتهم أو بأوضاعهم الإنسانية.

التحذير لا يمحو مسؤولية القاتل

إذا صحت الرواية المتداولة بشأن اتصال ضباط الشاباك بأشخاص وإبلاغهم بأنهم سيقتلون بعد وقت قصير، فإن ذلك لا يقدم دليلا على رحمة إسرائيل أو حرصها على حياة الفلسطينيين، بل يفتح أسئلة أكثر خطورة حول طبيعة العملية والغاية منها. فالاتصال بشخص وإبلاغه بأنه سيقتل، ثم منحه خيار الابتعاد عن عائلته أو البقاء معها، لا يحول عملية القتل إلى إجراء إنساني، ولا يجعل التهديد بالقتل وسيلة مشروعة لإنقاذ المدنيين.

إن وضع إنسان أمام خيارين، إما أن يغادر أسرته ليقتل منفردا، أو يبقى معها ويتعرض الجميع لخطر القصف، لا ينطوي على أي مضمون إنساني. بل هو تهديد مباشر بالحياة، ويطرح تساؤلا أساسيا حول الأساس القانوني الذي تستند إليه الجهة (وهي هنا القوات المحتلة) التي قررت قتل هذا الشخص، والظروف التي تسمح لها باستخدام القوة المميتة ضده.

ومن المهم هنا التمييز بين قواعد القانون الدولي الإنساني التي تنظم الاستهداف أثناء النزاعات المسلحة، وقواعد حقوق الإنسان التي تحظر الحرمان التعسفي من الحياة. ففي سياق النزاع المسلح، لا يشترط القانون الدولي الإنساني إجراء محاكمة قبل استهداف مقاتل أو شخص يشارك مباشرة في الأعمال العدائية، متى توافرت شروط الاستهداف المشروع والتزمت القوة المهاجمة بقواعد التمييز والتناسب والاحتياطات. لكن ذلك لا يمنح إسرائيل تفويضا مفتوحا بالقتل، ولا يجيز استهداف الأشخاص لمجرد تصنيفهم أمنيا أو سياسيا، أو تنفيذ عمليات قتل خارج سياق الأعمال العدائية دون ضرورة قانونية.

أما عندما تجري عمليات القتل خارج نطاق الأعمال العدائية التي تبرر استخدام القوة القاتلة، كما تفعل إسرائيل حاليا، فإن استخدام القوة المميتة يخضع لمعايير أكثر تقييدا، ولا ينبغي اللجوء إليه إلا عندما يكون ضروريا بصورة صارمة لحماية الحياة من خطر وشيك. ويصبح الحرمان من الحياة تعسفيا ومخالفا للقانون عندما تستخدم القوة القاتلة دون استيفاء هذه الشروط، أو عندما يكون بالإمكان توقيف الشخص ومساءلته قضائيا دون تعريض حياة الآخرين لخطر وشيك.

وفي جميع الأحوال، لا تكفي مكالمة هاتفية لإضفاء المشروعية على القتل، فالمسألة لا تتعلق بمدى إبلاغ الشخص بموعد استهدافه، وإنما بمدى مشروعية استهدافه أصلا، وطبيعة المعلومات التي استند إليها القرار، والظروف التي أحاطت بالعملية، والوسائل التي استخدمت لتنفيذها.

امتلاك المعلومات يضاعف المسؤولية

تتضمن الرواية الإسرائيلية، حتى في حال صحتها، اعترافا ضمنيا بامتلاك الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة للاحتلال معلومات دقيقة عن الأشخاص الذين تستهدفهم، ومواقع وجودهم، وأماكن إقامة عائلاتهم، وقدرتها على التواصل معهم ومتابعة تحركاتهم. وهذه القدرة تطرح سؤالا جوهريا: إذا كانت إسرائيل قادرة على تحديد الشخص المستهدف والاتصال به ومراقبة مكان وجوده، فلماذا لا تختار تنفيذ العملية – إذا كان بالأساس ذك مسموحا) بطريقة تقلل إلى الحد الأدنى خطر إصابة أفراد أسرته والمدنيين المحيطين به؟

لا يتعلق الأمر هنا بافتراض أن إسرائيل عاجزة عن تجنب سقوط الضحايا، بل بمساءلة مدى استخدامها للمعلومات والقدرات التقنية المتاحة لديها في اتخاذ الاحتياطات الممكنة. فإذا كانت المراقبة الجوية والذخائر الدقيقة والقدرة على تتبع الأشخاص متاحة، كما تقول إسرائيل في بياناتها العسكرية، فإن عليها أن توضح كيف تنسجم هذه القدرات مع تكرار استهداف المنازل المأهولة وسقوط أعداد كبيرة من أفراد العائلات.

والأكثر إثارة للتساؤل أن إسرائيل لم تقدم، عبر هذه الرواية، تفسيرا للآلية التي تحدد بموجبها الأشخاص الذين تستهدفهم، ولا الأساس القانوني الذي يجيز قتلهم، ولا كيفية تقييم المخاطر التي يتعرض لها المدنيون. بل إن الرواية تركز على الاتصال بوصفه دليلا على اتخاذ الاحتياطات، وتتجاهل أن امتلاك معلومات تفصيلية عن الشخص ومحيطه العائلي يضاعف مسؤولية الجهة التي تقرر تنفيذ الهجوم عن اختيار الوسائل والتوقيت والمكان الأقل خطرا على المدنيين.

أرقام العائلات تكشف حقيقة الرواية

تتعارض الصورة التي تحاول الرواية الإسرائيلية تقديمها مع حجم الخسائر البشرية التي خلفتها الحرب على قطاع غزة، ولا سيما ما تعرضت له العائلات الفلسطينية من قتل جماعي. فحتى 7 أكتوبر 2026، تشير بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى أن أكثر من 39 ألف أسرة تعرضت لمجازر إسرائيلية، وأن أكثر من 2500 أسرة محيت بالكامل من السجل المدني، بواقع 8574 فردا، فيما أبيدت أكثر من 6020 أسرة ولم ينج منها سوى فرد واحد. كما بلغ عدد الأطفال الذين قتلتهم الغارات الإسرائيلية 21976 طفلا، وعدد النساء 12500 امرأة شهيدة، وفق البيانات ذاتها.

هذه الأرقام تكشف نمطا من الهجمات الإسرائيلية التي طالت العائلات داخل منازلها وخيام نزوحها وأماكن إقامتها، وأوقعت خسائر بشرية واسعة بين مدنيين لا يشاركون في "الأعمال العدائية" أو الحربية والقتالية، وهي تفرض مساءلة جدية حول طبيعة الأهداف العسكرية التي اختارتها إسرائيل، ومدى التزامها بمبادئ التمييز والتناسب والاحتياطات.

ولا يمكن اختزال هذه الوقائع في أخطاء عسكرية متفرقة، أو تقديمها باعتبارها أضرارا جانبية لا يمكن تجنبها. فقد كشفت تحقيقات صحفية استقصائية عن آليات إسرائيلية لتحديد الأهداف ومراقبتها ومتابعتها حتى وصولها إلى منازلها، بما في ذلك استخدام منظومة "لافندر" لتصنيف أشخاص بوصفهم أهدافا محتملة، ومنظومة "أين أبي؟" لتتبع بعض المستهدفين وتحديد لحظة وجودهم في منازل عائلاتهم.

ووفقا لتحقيق نشرته مجلة "+972" وموقع "لوكال كول" في أبريل 2024، استند إلى شهادات ضباط استخبارات إسرائيليين، جرى خلال الأسابيع الأولى للحرب تصنيف عشرات الآلاف من الفلسطينيين بواسطة منظومة "لافندر"، ووردت شهادات عن السماح بسقوط أعداد من المدنيين مقابل استهداف أشخاص صنفتهم إسرائيل عناصر في حركة حماس. كما تحدثت مصادر التحقيق عن إجراءات مراجعة سريعة للأهداف، وعن استهداف أشخاص داخل منازلهم مع العلم بوجود أفراد عائلاتهم.

تكمن أهمية التحقيق أنه لا يقتصر على إثبات كل واقعة وردت فيه بصورة منفردة، وإنما في طرحه أسئلة موثقة بشهادات من داخل المؤسسة العسكرية حول طبيعة أنظمة الاستهداف، وحدود الرقابة البشرية، وطريقة احتساب الخسائر المدنية قبل تنفيذ الهجمات.

وتكتسب هذه الشهادات أهمية إضافية عند مقارنتها بالحصيلة الموثقة للعائلات التي تعرضت للقتل الجماعي. فحين تتكرر استهدافات المنازل المأهولة، وتسجل مجازر تطال عائلات بأكملها، وتظهر شهادات ولقطات مصورة عن تتبع الأشخاص حتى وصولهم إلى منازلهم، يصبح من الضروري التحقيق في طبيعة القرارات التي سمحت بتنفيذ تلك الهجمات، وليس الاكتفاء بالتفسيرات العسكرية التي تقدمها إسرائيل بعد وقوعها.

القانون الدولي لا يمنح التحذير حصانة

يفرض القانون الدولي الإنساني على أطراف النزاع التزامات واضحة لا يمكن تجاوزها بمجرد إصدار تحذير أو إجراء اتصال هاتفي. وفي مقدمتها مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وحظر توجيه الهجمات ضد المدنيين والأعيان المدنية، ومبدأ التناسب الذي يحظر تنفيذ هجوم يتوقع أن يسبب خسائر عرضية في أرواح المدنيين أو إصابات بينهم أو أضرارا بالأعيان المدنية تكون مفرطة قياسا بالميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة.

كما يلزم القانون أطراف النزاع باتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنب إلحاق الأذى بالمدنيين، أو تقليله إلى الحد الأدنى، بما في ذلك التحقق من طبيعة الهدف، واختيار الوسائل والأساليب الأقل خطرا على السكان، وإلغاء الهجوم أو تعليقه إذا تبين أن الهدف ليس عسكريا أو أن الخسائر المدنية المتوقعة ستكون مفرطة. ويشمل ذلك توجيه إنذار مسبق فعال عندما تسمح الظروف بذلك.

والإنذار الفعال ليس مجرد اتصال أو رسالة شكلية، بل يجب أن يصل إلى الأشخاص المعرضين للخطر، وأن يمنحهم وقتا كافيا للاستجابة، وأن يوضح لهم طبيعة الخطر والإجراء المطلوب لتجنبه، وأن تتوافر لهم إمكانية واقعية للوصول إلى مكان آمن. ولا يفقد المدنيون حمايتهم القانونية إذا لم يستجيبوا للتحذير أو لم يتمكنوا من مغادرة منازلهم، كما لا يعفي إصدار التحذير القوة المهاجمة من بقية التزاماتها القانونية.

ومن ثم، فإن تقديم الاتصال باعتباره دليلا قاطعا على مراعاة حياة المدنيين يمثل تحريفا للمضمون القانوني للتحذير. فالتحذير أحد تدابير الاحتياط، وليس بديلا عن التحقق من مشروعية الهدف، ولا عن تقييم التناسب، ولا عن اتخاذ جميع التدابير الممكنة لتقليل الخسائر المدنية. ولا يجوز استخدامه لتبرير استهداف المدنيين أو تحميلهم مسؤولية ما يتعرضون له من قتل ودمار.

وفي حالة الهجمات التي تستهدف أشخاصا بعينهم، تظل هناك أسئلة قانونية أساسية تتعلق بصفة الشخص المستهدف، وما إذا كان يشكل فعلا هدفا عسكريا مشروعا، وطبيعة مشاركته في الأعمال العدائية، وإمكانية استخدام وسيلة أقل خطرا على المدنيين. أما إذا كانت العملية خارج نطاق الأعمال العدائية وتخضع لقواعد إنفاذ القانون، فإن استخدام القوة القاتلة لا يجوز إلا وفق شروط الضرورة القصوى والتناسب لحماية الحياة، مع وجوب التحقيق الفعال في أي وفاة غير مشروعة.

من يتحمل مسؤولية قرار القتل؟

إن السؤال الذي ينبغي أن يطرح أمام هذه الرواية ليس ما إذا كان الشخص المستهدف قد تلقى اتصالا هاتفيا، أو ما إذا كان قد اختار الابتعاد عن أسرته، بل لماذا قررت إسرائيل قتله، وما الأساس القانوني لهذا القرار، ولماذا اختارت تنفيذ العملية في المكان والتوقيت والوسيلة التي تعرض المدنيين للخطر.

وما قيمة أن تعلن إسرائيل أنها اتصلت بشخص واحد وأبلغته بأنه سيقتل، إذا كانت قد قتلت عشرات الآلاف من الفلسطينيين في منازلهم وبين أفراد أسرهم، وتسببت في محو آلاف العائلات من السجل المدني؟ وهل يؤدي إثبات إجراء اتصال في حالة أو عشر حالات أو حتى مئة حالة إلى تغيير حقيقة آلاف الوقائع التي سقط فيها مدنيون دون أن تتاح لهم فرصة حقيقية للنجاة؟ وهل يمكن لممارسة محدودة، حتى لو ثبتت صحتها، أن تمحو المسؤولية عن نمط واسع من القتل والتدمير؟

إن الانتقائية في إبراز حالات الاتصال لا تجيب عن هذه الأسئلة، بل قد تتحول إلى أداة لتسويق صورة مضللة عن سلوك وممارسات قوات الاحتلال الإسرائيلي. فوجود حالات يقال إن إسرائيل اتخذت فيها احتياطات معينة لا يثبت أنها التزمت بالقانون في بقية العمليات، ولا ينفي وقوع انتهاكات جسيمة، ولا يعفي المسؤولين عن الهجمات غير المشروعة من المساءلة.

كما أن الادعاء بالحرص على حياة المدنيين لا ينسجم مع واقع قطاع غزة الذي شهد، إلى جانب القتل المباشر، تدمير البنية التحتية الصحية، وحرمان السكان من العلاج والغذاء والمياه، وفرض ظروف معيشية قاسية أدت إلى وفيات ومعاناة واسعة. ولا يمكن تقييم حماية المدنيين من خلال مكالمة هاتفية مزعومة، مع تجاهل مجمل السياسات والممارسات التي تهدد حياتهم ووجودهم.

مسؤولية الإعلام أمام الدعاية الإسرائيلية

تفرض هذه الرواية على وسائل الإعلام والصحفيين التعامل معها بحذر مهني، خصوصا أن تداولها يأتي في توقيت تسعى فيه إسرائيل إلى مواجهة الانتقادات التي أثارها فيلم "نازا" وما كشفه من شهادات عن أنظمة الاستهداف والمراقبة واحتساب الخسائر المدنية. ولا يكفي نقل الرواية كما وردت في وسائل الإعلام الإسرائيلية، ثم تقديمها باعتبارها دليلا على أن الجيش يحاول حماية المدنيين، دون التحقق من مصدرها الأصلي، وطبيعة المعلومات التي تستند إليها، والجهة التي تقف وراء تسريبها.

إن نسبة الرواية إلى مصدرها شرط أساسي، لكن النسبة وحدها لا تكفي. فالمعلومات المنقولة عن مصادر مجهولة أو عن وسائل إعلام إسرائيلية تحتاج إلى التحقق، وإلى الحصول على ردود الأطراف المعنية، والبحث عن أدلة مستقلة تؤيدها. كما ينبغي التمييز بين ما تقوله المؤسسة العسكرية الإسرائيلية عن إجراءاتها، وما تثبته الوقائع الميدانية، وما تكشفه التحقيقات الصحفية وشهادات الضحايا والمصادر من داخل المؤسسة نفسها.

ومن المهم أيضا ألا تنفصل أي رواية عن سياقها الأوسع، فعند تناول الاتصال بشخص قبل استهدافه، لا بد من طرح الأسئلة المتعلقة بمصير عائلته، وبالضحايا الذين سقطوا في العملية، وبالقدرة الإسرائيلية على مراقبة المكان وتحديد توقيت الهجوم، وبمدى توافر بدائل تقلل الخطر على المدنيين. كما ينبغي عدم تحويل الاتصال إلى عنوان يختزل الحدث في صورة جيش يمنح فرصة للنجاة، بينما يغيب السؤال عن مشروعية القتل ذاته.

ويقتضي العمل الصحفي الدقيق الفصل بين الوقائع المؤكدة والادعاءات والتقديرات، ونسبة الأرقام إلى مصادرها المحددة، سواء كانت وزارة الصحة أو المكتب الإعلامي الحكومي أو المنظمات الدولية أو التحقيقات الصحفية. كما يتطلب عدم التعامل مع البيانات الإسرائيلية بوصفها حقائق نهائية، أو اعتماد المصطلحات التي تختارها المؤسسة العسكرية دون فحص دلالاتها وآثارها على فهم الجمهور للحدث.

المسألة هنا بعدم السماح لأدوات الدعاية الإسرائيلية بتحديد إطار التغطية أو فرض الزاوية التي تريدها، فالصحافة لا تكتفي بنقل ما تقوله الأطراف، بل تفحصه وتضعه في سياقه وتقارنه بالوقائع، وتكشف ما تحاول الدعاية إخفاءه أو تجاوزه.

إن أخطر ما في رواية الاتصال قبل القتل ليس فقط ما تنطوي عليه من قسوة إنسانية، بل قدرتها على إعادة توزيع المسؤولية عن الجريمة، وتحويل الضحية إلى طرف مطالب بتبرير بقائه مع أسرته، وإظهار الجهة التي تملك قرار القتل وكأنها أدت واجبها الإنساني بمجرد إبلاغه بموعد موته. وهذا بالضبط ما ينبغي أن يتنبه إليه الإعلاميون: لا تجعلوا التحذير بديلا عن مساءلة القتل، ولا تسمحوا للرواية الدعائية بأن تحجب السؤال القانوني والأخلاقي الأساسي، من يملك قرار القتل، وعلى أي أساس، ومن يتحمل المسؤولية عن الضحايا؟

اخبار ذات صلة