ينذر استهداف قوات الاحتلال المتكرر لطواقم ونقاط عمل وزارة الاقتصاد الوطني بتداعيات خطيرة، وفق خبيرين اقتصاديين، يؤكدان أن تعطيل الدور الرقابي الحكومي يتجاوز الخسائر المادية المباشرة ليمسّ جوهر الاستقرار المعيشي والغذائي للمواطنين.
وأوضح الخبيران لصحيفة "فلسطين" أن تغييب أو إضعاف الطواقم يؤدي إلى تحول الأسواق نحو الفوضى وتمدد "السوق السوداء"، إلى جانب تفاقم ظواهر الاحتكار، وانفلات الأسعار، وتداول سلع مغشوشة أو منتهية الصلاحية.
يأتي ذلك في أعقاب ارتكاب جيش الاحتلال أول من أمس مجزرة استهدفت نقطة عمل تابعة لوزارة الاقتصاد في منطقة المواصي جنوب قطاع غزة، أسفرت عن أربعة شهداء وعشرات الجرحى.
واستهدف الاحتلال النقطة في أثناء ممارسة الموظفين عملهم الميداني في فحص البضائع والتأكد من صلاحيتها، ومكافحة تهريب المواد غير القانونية.
ويؤكد الخبير الاقتصادي د.محمد بربخ، أن استهداف الاحتلال نقاط عمل تابعة لوزارة الاقتصاد الوطني يمثل تطورًا خطيرًا تتجاوز تداعياته الأضرار المادية المباشرة، لتطال قدرة المؤسسات الاقتصادية والرقابية على أداء مهامها، في ظل الظروف الاقتصادية والإنسانية الصعبة التي يعيشها القطاع.
ويوضح بربخ لصحيفة "فلسطين" أن خطورة الاستهداف تكمن في تأثيره المحتمل على عمل الطواقم الميدانية المسؤولة عن فحص البضائع والتأكد من صلاحيتها، ومتابعة الأسواق ومراقبة السلع، وضبط الأسعار وحماية المستهلك، مشيرًا إلى أن استمرار الظروف قد ينعكس سلبًا على انتظام العمل الرقابي والتنظيمي.
ويضيف أن استهداف مواقع عمل الطواقم الميدانية يعرّض حياة الموظفين للخطر، ويخلّف تداعيات نفسية ومهنية قد تؤثر على قدرتهم على مواصلة أداء واجباتهم، فضلًا عن إرباك سير العمل واحتمال تعطّل بعض المهام الرقابية، الأمر الذي قد يحدّ من فاعلية متابعة الأسواق وضبط المخالفات.
وينبه بربخ على أن أي تراجع في مستوى الرقابة الاقتصادية يفتح المجال أمام اتساع الفوضى في الأسواق، ويزيد من صعوبة متابعة حركة السلع وأسعارها، لا سيما في ظل هشاشة الأوضاع المعيشية والاقتصادية في قطاع غزة، وحاجة المواطنين إلى منظومة رقابية فاعلة تحمي حقوقهم وقدرتهم الشرائية.
ويشدد على أن حماية الطواقم العاملة في المجال الاقتصادي والرقابي تمثل ضرورة لضمان استمرارية الخدمات الأساسية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار في الأسواق، مؤكدًا أن تمكين المؤسسات المختصة من مواصلة عملها يُعد عنصرًا أساسيًا في حماية المستهلك والحد من التجاوزات التجارية.
ويدعو بربخ إلى توفير الحماية اللازمة للكوادر الميدانية وضمان استمرارية عمل المؤسسات الرقابية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المختصة لمواجهة أي اضطرابات محتملة في الأسواق، بما يسهم في حماية المواطنين والحد من التداعيات الاقتصادية والمعيشية الناجمة عن استمرار التصعيد.
عمل محوري
من جهته، يؤكد الأخصائي الاقتصادي د. محمد العف أن محورية عمل الطواقم الرقابية وطبيعة الأوضاع في الأسواق الغزية، لا سيما في ظل ظروف الحصار وانعدام الأمن الغذائي، تحتم على وزارة الاقتصاد أن يكون لها دور رقابي فاعل لحماية المستهلك.
ويوضح العف لـ"فلسطين" أن تغييب الدور الرقابي لوزارة الاقتصاد يترك الأسواق بالكامل عرضة لآليات العرض والطلب العشوائية ورغبات التجار، مما ينعكس بشكل جذري وعميق على الاقتصاد عبر عدة مستويات رئيسية.
ويبين أن غياب التسعير الجبري والمحاسبة القانونية يؤدي إلى لجوء بعض التجار والمحتكرين لرفع الأسعار بصورة عشوائية ومضاعفة، مما يتسبب في تآكل سريع للقدرة الشرائية للمواطنين الذين استقرت مداخيلهم دون أي تغير يواكب هذا الارتفاع.
ويضيف العف: يتسبب تغييب الرقابة على كبار التجار وتحكمهم بسلاسل الإمداد في تخزين السلع الضرورية وإخفائها، بتعطيش السوق ومن ثم طرحها لاحقاً لتحقيق أرباح فاحشة على حساب المواطن.
كذلك يؤدي تغييب الرقابة الشاملة على تواريخ الإنتاج والصلاحية وجودة المواد الغذائية إلى تداول سلع منتهية الصلاحية أو تالفة، الأمر الذي يشكل خطراً مباشراً على صحة وسلامة المواطنين.
ويقول العف إن تغييب التدخل الحكومي وضبط الأسواق في أوقات الأزمات يحول البيئة الاقتصادية إلى بيئة فوضوية تعيق تتبع حركة السيولة، تصعب قياس معدلات التضخم، وتعطل أي إمكانية للتخطيط المستقبلي لمعالجة الضعف الاقتصادي.