☰
✕

قائمة الموقع

القدس التي تضيق على أهلها: أدوات الضغط على الوجود الفلسطيني

2026-10-30T09:12:00+02:00
إجراءات-امنية-في-القدس-750x430-1.jpg
فلسطين أون لاين

لا يتخذ استهداف الوجود الفلسطيني في القدس صورة واحدة، ولا يقتصر على الاستيلاء المباشر على الأرض أو هدم المنازل وإخلاء العائلات منها، فإلى جانب هذه الإجراءات المباشرة، تتراكم سياسات تمسّ الإقامة والبناء والسكن والتنقل والوصول إلى الخدمات في المدينة المحتلة، في سياق جعل حياة المقدسيين أكثر تعقيدًا وكلفة، وتضع قدرتهم على الاستقرار في مدينتهم أمام تحديات متزايدة. ومن هنا، فإن *قراءة التحولات التي تشهدها القدس لا تكتمل بالنظر إلى خرائط الاستيطان وحدها، حيث تستدعي الوقوف عند ما يجري داخل الأحياء الفلسطينية، وعند أثر القرارات الإدارية والقانونية والعمرانية في حياة السكان*. فالمسألة لا تتعلق فقط بمن يسيطر على الأرض، وإنما أيضًا بالشروط التي تسمح للفلسطينيين بالبقاء عليها ومواصلة حياتهم فيها.

سحب الإقامة: استهداف العلاقة القانونية بالمدينة

يستند الوجود المسيحي الفلسطيني في القدس المحتلة، شأنه شأن بقية المكوّن الفلسطيني في المدينة، إلى مكانة قانونية هشّة أساسها «الإقامة الدائمة» لا المواطنة. فعلى أثر احتلال الشطر الشرقي من القدس عام 1967، أجرت سلطات الاحتلال إحصاءً سكانيًا في 26 حزيران/يونيو من العام نفسه، شمل حينها نحو 66 ألف فلسطيني مقدسي، مُنحوا بموجبه «بطاقة الهوية الزرقاء» التي تمنح صاحبها حق الإقامة فقط، من دون أي حقوق مرتبطة بالمواطنة، بينما اعتُبر كل من كان خارج المدينة وقت الإحصاء «غريبًا»، ومُنع من العودة إلى مسقط رأسه.

ولذلك، فإن سحب بطاقة الإقامة الدائمة يمكن أن يترك آثارًا تتجاوز الشخص المعني إلى أسرته وشبكة علاقاته الاجتماعية والاقتصادية. وبحسب معطيات منظمة «هموكيد» الحقوقية الإسرائيلية، فقد سحبت سلطات الاحتلال الإقامة الدائمة من نحو 14,929 فلسطينيًا من القدس المحتلة، ما بين عامي 1967 و2024. وتبرز أهمية هذا الملف في أن الإقامة تمسّ أحد الشروط الأساسية للاستقرار في المدينة المحتلة. وخلال السنوات الأخيرة، استخدمت سياسة سحب الهويات لاستهداف عوائل منفذي العمليات النوعية، في سياق طردهم خارج القدس المحتلة.

الهدم وقيود البناء: حين يصبح السكن معركة يومية

لا ينفصل ملف هدم منازل الفلسطينيين عن القيود المفروضة على البناء والتوسع العمراني الفلسطيني في المدينة المحتلة، في ظلّ القيود الكبيرة التي تفرضها سلطات الاحتلال على رخص البناء، إضافةً إلى تكاليف الإجراءات المرتبطة بها، وهو ما يضطر الفلسطيني إلى البناء من دون ترخيص، وهو ما يعرّضه لهدم منازله بقرارٍ من مؤسسات الاحتلال. وأمام هذه الظروف المعقدة، والمتصلة بالحرمان من السكن وصعوبة الحصول على رخص البناء، تُشير تقديرات بلدية الاحتلال في القدس إلى أن عدد المباني المعرضة للهدم يصل إلى نحو 30 ألف مبنى، أي إن جزءًا كبيرًا من المباني في المدينة المحتلة معرّضٌ للهدم في أي وقت.

وبحسب معطيات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي المحتلة التابع للأمم المتحدة، هدمت سلطات الاحتلال في القدس المحتلة، منذ بدء حرب الإبادة، نحو 742 منشأة، وهو ما أدى إلى تهجير نحو ألفي فلسطيني وإلحاق الضرر بـ 56 ألفًا و769 آخرين. وتُظهر بيانات المكتب الأممي أن 59 منشأة هدمتها سلطات الاحتلال منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى نهاية العام، و219 منشأة هدمها الاحتلال خلال عام 2024، و257 خلال عام 2025، و207 منذ بداية عام 2026 وحتى بداية شهر تشرين الأول/أكتوبر. وتنقسم المنشآت المهدمة إلى 371 منشأة مأهولة من إجمالي عدد المباني المهدمة، إضافةً إلى 32 مسكنًا غير مأهول، أما باقي عمليات الهدم فتشمل منشآت تجارية وزراعية وغيرها.

الجدار والحواجز: تجزئة الحياة اليومية

تتخذ القيود على الحركة بُعدًا آخر في مناطق مثل عناتا ومخيم شعفاط وبيت إكسا ومحيطهما، فالجدار والحواجز وإجراءات العبور لا تؤثر في الحركة فحسب، ولكنها تنعكس على الوصول إلى العمل والمدارس والمرافق الصحية، وعلى انتظام العلاقات العائلية والاجتماعية. وتزداد أهمية هذه المسألة عندما تكون التجمعات الفلسطينية مترابطة في حياتها اليومية، بينما تفرض القيود واقعًا يجعل الوصول من منطقة إلى أخرى أكثر صعوبة. كما أن منع بعض السكان من العودة إلى منازلهم، أو فرض قيود استثنائية على حركتهم، يفتح أسئلة قانونية وإنسانية تتطلب توثيقًا دقيقًا لكل حالة وظروفها. ولا ينبغي النظر إلى هذه الإجراءات بمعزل عن بقية السياسات؛ فالسكن والعمل والتعليم والتنقل عناصر مترابطة. وقد لا يؤدي أي إجراء منفرد إلى تغيير جذري في حياة الأسرة، لكن اجتماع قيود متعددة قد يرفع كلفة البقاء، ويضع السكان أمام خيارات شديدة الصعوبة.

من الإجراءات المتفرقة إلى البيئة الطاردة

تتيح هذه الوقائع طرح سؤال مركزي: هل يمكن أن تتضافر سياسات الإقامة والهدم وقيود البناء والحركة لتشكيل بيئة تصبح فيها الحياة اليومية للفلسطينيين أكثر صعوبة؟ إن الإجابة تحتاج إلى تحليل يجمع بين البيانات القانونية والعمرانية والاجتماعية، لا إلى الاكتفاء بتوصيف كل إجراء على حدة. فمن الضروري رصد أعداد المنازل المهددة أو المهدومة، وحالات سحب الإقامة، وتوزّع القيود الجغرافية، وأثرها في الأسر، مع الانتباه إلى اختلاف الأوضاع بين أحياء القدس وبلداتها وضواحيها. ويساعد هذا المنهج على التمييز بين الأثر المباشر لكل سياسة وبين النتائج التراكمية المحتملة. كما يسمح بتحديد المناطق والفئات الأكثر تعرضًا للضغط، بدل إطلاق أحكام عامة لا تفسر الفوارق بين الحالات.

أخيرًا، *تشكل هذه الاعتداءات المتصلة بالوجود الديموغرافي للمقدسيين جزءًا من مخططات الاحتلال الرامية إلى إعادة تشكيل القدس* على المستويات الديموغرافية، ولا شك بأنها تتصل بالمستويات الدينية والجغرافية التي تعزز سيطرة سلطات الاحتلال على المدينة وسكانها. وما سلّط عليه المقال الضوء من محاور متصلة بالهدم وسحب الهويات والحواجز، تأتي في سياق تحويل القدس المحتلة إلى بيئة طاردة للسكان، ودفع المزيد من المقدسيين إلى الخروج من القدس، في مقابل تكثيف الحضور الاستيطاني داخل المدينة المحتلة وفي محيطها.

اخبار ذات صلة