فلسطين أون لاين

تعاني فقر الدم بسبب سوء التغذية

"ماما بدي أكل".. نداء يومي يثقل كاهل شادية في غزة

...
"ماما بدي أكل".. نداء يومي يثقل كاهل شادية في غزة
غزة/ مريم الشوبكي:

"ماما بدي أكل".. بهذه الكلمات يستيقظ توأما شادية محمد كل صباح، فلا تجد الأم ما يكفي لإطعامهما. تحاول تدبير ما يسد جوع طفليها، اللذين لا يفهمان لماذا أصبح الطعام أمنية يومية بفعل حرب الإبادة، في حين تواجه هي فقر الدم ومشكلات الكلى دون علاج، داخل خيمتها في مخيم للنازحين وسط مدينة غزة.

تعيش شادية مع زوجها وأبنائها الستة، ثلاث بنات وثلاثة أولاد، في خيمة واحدة تضم ثمانية أفراد. وبين نقص الغذاء وغياب الدخل وتدهور ظروف السكن، تحاول تأمين احتياجات أسرتها الأساسية، مع اقتراب الشتاء الذي يضاعف مخاوفها من البرد والأمطار.

طحين مسوّس

تستعيد شادية أيام المجاعة التي عاشتها خلال الحرب، حين كان طفلاها التوأمان بحاجة إلى الحليب والحفاضات، وكانت تحاول توفير احتياجاتهما وسط شح المساعدات وصعوبة الحصول على المواد الأساسية.

ومع استمرار التجويع، لم يكن الطحين الذي يصل إلى الأسرة صالحًا للاستهلاك بسهولة، لكنها أجبرت على استخدامه خوفًا من أن يبيت أطفالها جائعين.

وتقول شادية لصحيفة "فلسطين": "الطحين اللي كان يجينا مش طحين، كان مسوس ومدود، والأولاد كانوا يقرفوا يأكلوه. كنت أنخله ثلاث أربع مرات لحتى ينظف، وما كانوا يرضوا يأكلوه، بس لقيت إنه أكله أحسن ما يجوعوا".

وتضيف أن الطحين انقطع عنها خلال الفترة الأخيرة، مع تعطيل الاحتلال وبعض التجار إدخال البضائع، ولم تعد تستطيع توفيره إلا بكميات قليلة تدبرها بصعوبة. وتصل المساعدات الغذائية، وفق حديثها، على فترات متباعدة، فيما لا يملك زوجها عملًا ثابتًا، رغم أنه يعمل في الخياطة، التي تراجعت فرصها في ظل الظروف الراهنة.

وتوضح أن زوجها قد يجد أحيانًا عملًا مقابل عشرين شيكلًا، لكن هذا المبلغ لا يكفي لتلبية احتياجات أسرة من ثمانية أفراد، خصوصًا مع ارتفاع الأسعار وصعوبة توفير المواد الغذائية.

وتروي أن طفليها التوأمين، اللذين يبلغان نحو ثلاث سنوات، يستيقظان كل صباح طالبين الطعام، فتخشى أن يمر اليوم دون أن تتمكن من إشباعهما.

وتقول: "والله العظيم كنت أخاف يطلع عليّ النهار عشان بس أسمع كلمة: ماما بدي أكل".

مرض بلا علاج

إلى جانب معاناتها في توفير الطعام لأطفالها، تعاني شادية من فقر دم حاد، وتقول إن مستوى الدم لديها انخفض إلى نحو سبعة، وإنها تتعرض لنوبات دوار متكررة قد تعجز معها عن متابعة شؤون أبنائها.

وتحتاج إلى علاج على هيئة إبر، لكنها لا تستطيع توفير ثمنها مع غياب الدخل وارتفاع تكلفة الأدوية أو انقطاعها. كما تعاني مشكلات في الكلى وحصوة تقول إن حجمها يبلغ نحو ثلاثة مليمترات، وتخشى أن تتفاقم حالتها مع استمرار تعذر العلاج.

وتوضح أن حالتها الصحية تحتاج إلى متابعة وأدوية، إلى جانب مياه معدنية لا تستطيع شراءها باستمرار، مشيرة إلى أن العلاج قد يكون غالي الثمن أو غير متوفر، وفي الحالتين لا تملك القدرة على الحصول عليه.

وبين احتياجاتها الصحية ومتطلبات أطفالها اليومية، تجد نفسها مضطرة إلى إعطاء الأولوية للطعام، حتى عندما يعني ذلك تأجيل علاجها. فغياب الغذاء المناسب يزيد صعوبة التعامل مع فقر الدم، بينما لا تجد جهة توفر لها العلاج الذي تحتاج إليه، ولا تملك المال لشرائه بنفسها.

خيمة مكشوفة

ولا تنفصل معاناة شادية عن ظروف السكن داخل المخيم؛ فقد عاشت في خيمة قديمة تضررت بشدة بسبب القوارض، حتى إن الفئران كانت تمر داخلها، قبل أن تُستبدل بها خيمة أخرى قبل نحو شهر ونصف.

لكن استبدال الخيمة لم ينهِ معاناتها، إذ لا تزال الأسرة تعاني نقص الفرش والإضاءة، وتعيش ساعات الليل في العتمة، معتمدة على كشاف لإنارة المكان.

وتقول شادية إن أفراد الأسرة ينامون ويستيقظون في الظلام، وإن قصر النهار يجعل ساعات العتمة طويلة، بينما لا تتوفر لديهم الإمكانات اللازمة لتجهيز الخيمة لمواجهة الشتاء.

وتحتاج الأسرة إلى فرش وأغطية وشوادر تحميها من مياه الأمطار والبرد، إلى جانب توفير الإضاءة والغذاء. وهي احتياجات تتراكم فوق بعضها، في وقت لا يستطيع فيه الزوج تأمين دخل منتظم.

ويزيد ضيق المساحة وغياب الخصوصية صعوبة الحياة داخل الخيمة، إذ تجد شادية صعوبة في حماية أطفالها من رؤية ظروفهم ومقارنتها بما لدى الآخرين. فلا تستطيع توفير كل ما يطلبونه، ولا تملك وسيلة لإخفاء النقص المستمر في احتياجاتهم.

احتياجات مؤجلة

تواجه شادية قائمة طويلة من الاحتياجات اليومية؛ طحين يكفي لإعداد الخبز، وطعام يسد جوع الأطفال، وعلاج يخفف آلامها، وفرش وخيمة تحمي أسرتها من الشتاء. لكن غياب الدخل المنتظم يجعل توفير هذه الاحتياجات معًا أمرًا يفوق قدرتها.

وبينما يحاول زوجها العثور على عمل، تبقى مسؤولة عن تدبير شؤون ستة أطفال، بينهم توأمان يحتاجان إلى رعاية وغذاء منتظمين، في حين تضطر إلى تأجيل علاجها بسبب عدم قدرتها على تحمل تكلفته.

ومع اقتراب الشتاء، لا يقتصر خوفها على البرد ومياه الأمطار التي قد تتسرب إلى الخيمة، بل يمتد إلى استمرار العجز عن توفير الطعام والدواء في آن واحد.

فكل صباح يحمل لشادية الطلب نفسه من طفليها، وكل يوم تبدأ رحلة جديدة للبحث عما تطعمهما، في وقت لا تعرف فيه إن كانت ستتمكن من توفير الخبز في اليوم التالي، أو الحصول على العلاج الذي تحتاج إليه.

المصدر / فلسطين أون لاين