أعادت النتائج الأولية لانتخابات الكنيست الإسرائيلي طرح سؤال تشكيل الحكومة المقبلة، مع استمرار الانقسام بين المعسكرات السياسية، وتراجع قدرة أي طرف على حسم المشهد بصورة تضمن له الاستقرار السياسي. وعلى الرغم من أهمية التوازنات الحزبية في تحديد هوية الحكومة، فإن دلالات النتائج تتجاوز الحسابات الائتلافية المباشرة، لتشمل مستقبل القيادة الإسرائيلية، واتجاهات السياسة تجاه الفلسطينيين، وطبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة، واحتمالات التصعيد على الجبهات الإقليمية.
نتنياهو والمعارضة: صراع على تشكيل الحكومة
تمنح نتائج الانتخابات نتنياهو ومعسكره فرصة لمواصلة التأثير في المشهد السياسي، حتى في حال تعذر الاحتفاظ بالأغلبية اللازمة لتشكيل حكومة من دون تحالفات إضافية. ويستند نتنياهو في ذلك إلى موقع حزب الليكود داخل المجتمع الإسرائيلي، وإلى خبرته في إدارة الأزمات والتفاوض مع القوى السياسية المختلفة، فضلًا عن قدرته على استثمار الخلافات داخل المعسكر المعارض واستقطاب أحزاب أو شخصيات منه.
في المقابل، تواجه المعارضة معضلة تتعلق بكيفية تحويل أصواتها إلى بديل حكومي قابل للحياة. فالتوافق على معارضة نتنياهو لا يعني بالضرورة الاتفاق على برنامج سياسي موحد، ولا سيما في القضايا المتعلقة بهوية الدولة، وعلاقة الدين بالمؤسسات السياسية، والتعديلات القضائية، وتجنيد الحريديم. كما أن الخلافات بين مكونات المعارضة بشأن إدارة الصراع مع الفلسطينيين وحدود التسوية السياسية تقلل فرص تشكيل ائتلاف متماسك.
تشكيل الحكومة: أربع سيناروهات
في ما يتعلق بتشكيل حكومة جديدة، تبرز أربعة سيناريوهات: الأول (احتمال ضعيف): نجاح نتنياهو في إعادة تشكيل حكومة تستند إلى القوى اليمينية، بما يضمن استمرار النهج السياسي الحالي؛ والثاني (وهو مفضل بالنسبة للشارع اليهودي وفق استطلاعات الرأي 55%): تشكيل حكومة وحدة وطنية أو ائتلاف أوسع يضم قوى من خارج معسكره التقليدي، سواء عبر الشراكة المباشرة أو التناوب على رئاسة الحكومة.
ولا يعني السيناريو الثاني بالضرورة تحولًا جوهريًا في السياسات الخارجية، وإن كان قد يفرض قيودًا على بعض ممارسات اليمين الأكثر تطرفًا؛ أما الثالث (يصطدم برفض مكونات أساسية في ائتلاف أيزنكوت): تشكيل أيزنكوت حكومة أقلية بدعم القائمتين العربيتين "المشتركة" و"الموحدة" من خلال تقديمهما "شبكة أمان"؛ أما السيناريو الرابع (يحظى باحتمالية عالية): الذهاب إلى انتخابات مبكرة، وبقاء نتنياهو على رأس حكومة انتقالية بتشكيلتها الحالية، حتى "الربيع القادم"؛ يراهن نتنياهو، في هذا السيناريو، على إعادة ترتيب البيت اليميني المتطرف، وتراجع حماسة جمهور المعارضة والناخبين العرب للمشاركة في الانتخابات المقبلة، بما يعزز فرصه في الفوز بولاية جديدة؛ خصوصاً مع إمكانية تجديد الحرب على إيران بشراكة أمريكية، ما يعطيه دفعة معنوية قوية.
الأحزاب العربية وحدود التأثير السياسي
تحتفظ الأحزاب العربية بإمكانات للتأثير في بعض الحسابات البرلمانية؛ أهمها تقديم "شبكة أمان" لحكومة يشكلها آيزنكوت، وفي التشريعات المدنية والاجتماعية والقضايا المتعلقة بالبلديات والمجتمع العربي داخل "إسرائيل". غير أن تحويل هذا التأثير إلى دور حاسم في تشكيل الحكومة يظل مرتبطًا بموازين القوى، ومواقف الأحزاب اليهودية، ومدى استعدادها للتعاون مع النواب العرب.
وتواجه هذه الأحزاب تحديًا مزدوجًا: فمن جهة، تبرز الحاجة إلى بلورة مشروع سياسي مشترك يربط المطالب المدنية والوطنية، ومن جهة أخرى، تفرض الخلافات بين القوى العربية قيودًا على قدرتها على استثمار موقعها البرلماني. كذلك، فإن رفض قطاعات من اليمين، وحتى بعض مكونات المعارضة، التعاون معها يحد من فرص تحولها إلى شريك حكومي مؤثر.
وبالتالي، قد يكون تأثير الأحزاب العربية أوضح في بعض القوانين والقضايا الداخلية، من دون أن ينعكس بالضرورة على القرارات الاستراتيجية المتعلقة بالحرب والاحتلال والاستيطان.
واشنطن وحدود التأثير في الحكومة الإسرائيلية
يمثل الموقف الأمريكي عاملًا مؤثرًا في حسابات تشكيل الحكومة، خصوصًا في ظل دعم دونالد ترامب لنتنياهو، وتقاطُع المصالح الأميركية والإسرائيلية في عدد من الملفات الإقليمية. وقد يدفع هذا العامل نحو تفضيل حكومة أكثر قدرة على الاستقرار، أو حكومة وحدة وطنية تقلل من تأثير سموتريتش وبن غفير، وتتيح لواشنطن هامشًا أوسع للتحرك في ملفات التطبيع والعلاقات مع دول المنطقة.
لكن التأثير الأميركي لا يعني بالضرورة قدرة واشنطن على فرض خياراتها على القيادة الإسرائيلية. فنتنياهو يمتلك بدوره أوراقًا سياسية وأمنية، ويستطيع توظيف العلاقة مع الولايات المتحدة لتعزيز موقعه الداخلي، ولا سيما عندما تتقاطع أولوياته مع توجهات الإدارة الأميركية تجاه إيران وإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية.
ومن ثم فإن مستقبل الحكومة الإسرائيلية سيؤثر في شكل التنسيق بين الجانبين، لكنه لن يكون العامل الوحيد المحدد لمسار هذه العلاقة.
الفلسطينيون والجبهات الإقليمية: استمرارية النهج واحتمالات التصعيد
على الرغم من التنافس الحزبي، لا تظهر في الملاحظات المتعلقة بالمعسكرات الإسرائيلية مؤشرات كافية على وجود خلاف إستراتيجي عميق بشأن القضايا الأساسية، وفي مقدمتها استمرار الحرب على قطاع غزة، والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، ومواجهة القوى الفلسطينية، وتقبل وجود دولة فلسطينية. وقد تختلف الأطراف في الوسائل والأولويات، لكن ذلك لا يعني بالضرورة اختلافًا جوهريًا في أهدافها السياسية تجاه الفلسطينيين.
وفي حال تمكن نتنياهو من تشكيل حكومة تعتمد على اليمين، فقد تتعزز توجهات توسيع الاستيطان وتشديد الضغوط على السلطة الفلسطينية، بما يضعف فرص التسوية السياسية. أما تشكيل حكومة أوسع فقد يخفف من حدة بعض الإجراءات أو يغير طريقة إدارتها، من دون أن يضمن تحولًا نحو تسوية عادلة أو إنهاء الاحتلال.
إقليميًا، يرتبط مسار المواجهة مع إيران إلى حد كبير بالتفاهمات الأمريكية والإسرائيلية، وبحسابات الإدارة الأميركية بعد انتخابات التجديد النصفي.
وقد تسعى القيادة الإسرائيلية إلى استثمار نتائج الانتخابات لتعزيز موقعها الداخلي، وربط استقرار الحكومة باستكمال أهدافها الأمنية والإقليمية.
غير أن استئناف الحرب أو توسيعها يظل احتمالًا مشروطًا بحسابات سياسية وعسكرية لا يمكن الجزم بمآلاتها مسبقًا. كما تبقى التطورات في لبنان وسورية جزءًا من معادلة إقليمية أوسع تتداخل فيها المصالح الأميركية والإسرائيلية ومواقف القوى الإقليمية.
الخلاصة
تكشف مرحلة ما بعد الانتخابات عن مشهد تتداخل فيه أزمة تشكيل الحكومة مع استمرار التوجهات الإستراتيجية الأساسية. فحتى إذا اضطر نتنياهو إلى توسيع ائتلافه أو قبول صيغة حكومية مختلفة، فإن ذلك لا يكفي وحده للاستنتاج بأن السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين والمنطقة ستشهد تحولًا جوهريًا.
وفي المقابل، فإن استمرار الانقسام الداخلي والاحتجاجات المحتملة والخلافات حول القضاء وطبيعة النظام السياسي قد يفرض قيودًا على الحكومة المقبلة، ويؤثر في قدرتها على إدارة الأزمات. وتبقى قدرة نتنياهو على تفكيك المعارضة واستقطاب خصومه أحد العوامل الحاسمة في تحديد شكل الحكم.
وعليه، فإن الأهمية السياسية للانتخابات لا تقتصر على هوية رئيس الحكومة، بل تشمل طبيعة الائتلاف الذي سيحكم، وحدود تأثير الولايات المتحدة فيه، وانعكاساته على الفلسطينيين والتوازنات الإقليمية. أما التحدي الفلسطيني والعربي فيتمثل في تجاوز الاكتفاء بمتابعة التحولات داخل "إسرائيل"، والعمل على بلورة خيارات سياسية ودبلوماسية قادرة على التأثير في البيئة الإقليمية والدولية، والحد من تداعيات استمرار الحرب والاستيطان والضغوط على الشعب الفلسطيني.