لا تتوقف نتائج انتخابات دولة الاحتلال عند تحديد الحزب الذي يحصد أكبر عدد من المقاعد، بل تبدأ بعدها معركة سياسية معقدة لتشكيل ائتلاف قادر على نيل ثقة الكنيست.
وفي وجود الاستقطاب بين المعسكرات، وتباين المصالح الحزبية، تتعدد السيناريوهات المتعلقة بهوية رئيس الحكومة المقبلة وطبيعة الائتلاف الذي سيقود "إسرائيل" خلال المرحلة القادمة.
وتكتسب هذه العملية أهمية إضافية بسبب انعكاساتها المحتملة على الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية، وعلى مستقبل العلاقة مع الفلسطينيين ودول المنطقة.
كيف تشكل الحكومة الصهيونية؟
يعتمد النظام السياسي الصهيوني على التمثيل النسبي، وينتخب المستوطنون أعضاء الكنيست المؤلف من 120 مقعدًا.
وبعد إعلان النتائج الرسمية، يجري رئيس دولة الاحتلال مشاورات مع ممثلي الأحزاب، ثم يكلف عضوا في الكنيست يعتقد أنه الأقدر على تشكيل حكومة تحظى بثقة البرلمان. ولا يشترط أن يكون المكلف رئيس الحزب الذي نال أكبر عدد من المقاعد؛ فالمعيار الأساسي هو قدرته على جمع دعم برلماني كاف.
يبدأ المرشح المكلف مفاوضات مع الأحزاب الأخرى لتحديد شكل الائتلاف، وتوزيع الحقائب الوزارية، والاتفاق على السياسات العامة وأولويات الحكومة. ويحتاج الائتلاف عادة إلى دعم 61 عضوا على الأقل من أصل 120 لضمان الأغلبية البرلمانية.
وتمنح الشخصية المكلفة مدة أولية تبلغ 28 يوما، ويمكن تمديدها مدة تصل إلى 14 يوما إضافيا. وإذا أخفق في مهمته، فقد يمنح مرشح آخر فرصة لتشكيل الحكومة، أو تدخل البلاد في مسارات دستورية قد تنتهي بانتخابات جديدة إذا تعذر التوصل إلى اتفاق.
السيناريوهات المحتملة للحكومة المقبلة
السيناريو الأول: حكومة يمينية برئاسة بنيامين نتنياهو
قد يسعى نتنياهو إلى إعادة تجميع حلفائه من الأحزاب اليمينية والدينية، والعمل على استقطاب قوى إضافية تتيح له تأمين الأغلبية. لكن نجاح هذا المسار يرتبط بقدرته على معالجة الخلافات بشأن توزيع المناصب والميزانيات، والتجنيد العسكري، وأولويات الحكومة.
كما أن غياب أغلبية واضحة لمعسكره سيجعل المفاوضات أكثر تعقيدا، وقد يضطره إلى تقديم تنازلات لشركائه المحتملين.
السيناريو الثاني: حكومة بديلة بقيادة المعارضة
يمكن للمعارضة أن تحاول تشكيل ائتلاف يضم أحزابا وسطية ويمينية معارضة لنتنياهو، إذا تمكنت من تنسيق مواقفها وتوحيد أهدافها. غير أن هذا الخيار يواجه خلافات أيديولوجية وسياسية بين مكونات المعارضة، إلى جانب تباين مواقفها من القضايا الأمنية والدينية والفلسطينية. كذلك، ستظل مسألة العلاقة مع الأحزاب العربية ومدى استعداد الأطراف لقبول دعمها عاملا مؤثرا في حسابات تشكيل الحكومة.
السيناريو الثالث: حكومة وحدة وطنية أو حكومة أقلية
قد تدفع صعوبة تشكيل ائتلاف تقليدي بعض القوى إلى بحث خيار حكومة وحدة وطنية تجمع أحزابا من معسكرات مختلفة، وربما تتضمن تفاهمات بشأن توزيع المسؤوليات أو التناوب على رئاسة الحكومة. وقد يُطرح أيضاً خيار حكومة أقلية تعتمد على دعم خارجي أو امتناع كتل عن التصويت ضدها. إلا أن الاستقطاب السياسي، وتعارض المواقف بشأن القضايا الأساسية، يجعلان هذا السيناريو صعبا، وإن لم يكن مستحيلا.
السيناريو الرابع: استمرار الانسداد والذهاب إلى انتخابات جديدة
إذا فشلت المفاوضات في إنتاج ائتلاف قادر على نيل ثقة الكنيست، فقد تتجه دولة الاحتلال إلى انتخابات جديدة. وسيؤدي ذلك إلى إطالة أمد الحكومة الانتقالية، واستمرار عدم اليقين السياسي، وربما إعادة إنتاج الخريطة البرلمانية نفسها دون حل جذري للأزمة.
ويتوقف هذا الاحتمال على مدى تمسك الأحزاب بشروطها، وقدرتها على تقديم تنازلات متبادلة.
وتبقى هذه السيناريوهات مرتبطة بالنتائج وبمواقف الأحزاب بعد الانتخابات، إذ قد تتغير الحسابات خلال المفاوضات. والاتفاق على تشكيل الحكومة لا ينهي الخلافات؛ فقد يواجه الائتلاف تحديات عند التصويت على الموازنة أو القوانين المثيرة للجدل، الأمر الذي يجعل تماسك الشركاء وقدرتهم على إدارة الخلافات شرطا لاستمرار الحكومة واستقرارها.
التداعيات السياسية
لن يقتصر تأثير الحكومة المقبلة على التوازنات الداخلية، بل سيمتد إلى السياسات الأمنية، والاستيطان، والحرب، والعلاقات الإقليمية والدولية، والتعامل مع القضية الفلسطينية. ومع ذلك، فإن تغيير رئيس الحكومة لا يعني بالضرورة تغييرا جذريا في السياسات؛ إذ تتحدد القرارات أيضا وفق تركيبة الائتلاف، وموازين القوى بين مكوناته، والضغوط الداخلية والخارجية.
ختاماً تتوقف هوية الحكومة الصهيونية المقبلة على قدرة الأحزاب على تحويل نتائج الانتخابات إلى أغلبية برلمانية قابلة للاستمرار. وبين عودة نتنياهو، وتشكيل حكومة بديلة، والتوافق على حكومة وحدة أو أقلية، واحتمال الذهاب إلى انتخابات جديدة، يبقى المشهد مفتوحا على عدة مسارات.
وسيكون العامل الحاسم هو قدرة الأطراف على تجاوز خلافاتها، في مرحلة تتداخل فيها الحسابات الحزبية مع التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية. وستنعكس طبيعة الحكومة وتركيبتها على اتجاهات السياسة الصهيونية، وعلى الملفات التي تمس الفلسطينيين والمنطقة خلال المرحلة المقبلة.


