فلسطين أون لاين

أحمد النجار.. بترت الحرب ساقيه فحرمته العمل لإعالة أسرته

...
أحمد النجار.. بترت الحرب ساقيه فحرمته العمل لإعالة أسرته
غزة/ هدى الدلو:

لم يكن أحمد النجار، البالغ من العمر20 عامًا، من سكان جباليا شمال قطاع غزة، يتطلع إلى أكثر من حياة بسيطة يستطيع فيها العمل وتوفير احتياجات أسرته، بعدما اضطر إلى ترك مقاعد الدراسة مبكرًا، تحت وطأة الظروف المعيشية القاسية ومرض والده الذي أقعده عن العمل منذ نحو عشرين عامًا، إثر إصابته بمرض وراثي تسبب له بإعاقة.

ولم يكن قد بلغ بعد العمر الذي يُفترض أن يبدأ فيه ببناء مستقبله، لكنه وجد نفسه مضطرًا إلى تحمل مسؤولية أسرته، فعمل في مجال المخبوزات، محاولًا تأمين قوت عائلته والوقوف إلى جانب والده المريض. كان العمل، على

 بساطته، يمنحه شعورًا بأنه قادر على مواجهة أعباء الحياة، إلى أن جاء يوم 21 يناير/كانون الثاني 2024، ليقلب حياته رأسًا على عقب.

في ذلك اليوم، كان أحمد برفقة أصدقائه حين تعرضوا لاستهداف إسرائيلي أصابه مباشرة، لتبدأ رحلة ألم لم تتوقف عند إصابته، بل امتدت إلى تفاصيل حياته كلها. وبينما كان بحاجة إلى إسعاف عاجل، تعذر وصول طواقم الإسعاف إلى المكان بسبب الظروف الميدانية والقصف المستمر، فاضطر أصدقاؤه إلى الاستعانة بعربة يجرها حيوان لنقله إلى المستشفى.

يستعيد أحمد تلك اللحظات بوصفها من أصعب ما مر به، قائلًا لصحيفة "فلسطين": "لولا وجود أصدقائي معي، لكنت فقدت حياتي".

وصل أحمد إلى المستشفى في وضع صحي حرج، في حين كانت المنظومة الصحية تعاني نقصًا حادًا في الإمكانات والمعدات الطبية، تحت ضغط الأعداد

 الكبيرة من المصابين، ولم يمكث هناك سوى أربعة أيام، قبل أن يجد نفسه أمام خسارة قاسية؛ إذ بُترت ساقاه الاثنتان، إلى جانب إصابته في البطن، بعدما تسببت الشظايا التي اخترقت جسده في تمزق جزء من أمعائه، ما استدعى استئصال جزء منها.

ويشير أحمد إلى أن نقص الإمكانات الطبية والظروف التي رافقت علاجه أثّرا في فرص إنقاذ ساقيه، مؤكدًا أنه يعتقد أن وضعًا صحيًا أفضل

 كان قد يتيح إنقاذ إحدى قدميه. لكن الحرب لم تترك له خيارات كثيرة، فخرج من المستشفى محملًا بإصابات غيّرت شكل حياته، وفرضت عليه واقعًا لم يكن مستعدًا له.

في حياته اليومية، أصبحت أبسط الأمور التي كان يؤديها دون تفكير تحديًا يحتاج إلى جهد ومساعدة، فالحركة التي كانت جزءًا طبيعيًا من يومه، باتت مرتبطة بمدى قدرته على استخدام الطرف الصناعي، وبما يتوفر له من إمكانات

 تساعده على التنقل وتلبية احتياجاته. كما أصبح عاجزًا عن العودة إلى عمله في المخبوزات، بعدما فقد القدرة على الوقوف والعمل بالطريقة التي اعتادها، وهو ما ضاعف شعوره بالعجز أمام احتياجات أسرته المتواصلة.

وبعد معاناة طويلة، تمكن أحمد من الحصول على طرف صناعي لإحدى ساقيه، معلقًا عليه أملًا في استعادة جزء من قدرته على الحركة، غير أن هذه الخطوة لم تحقق ما كان يرجوه؛ إذ لم يتمكن من مواصلة استخدامه بسبب ثقله وصعوبة التعامل معه، في ظل محدودية إمكاناته وعدم قدرته على توفير ما يلزمه من متابعة وتأهيل.

ولا تتوقف معاناة أحمد عند حدود الإصابة؛ فالحرب التي حرمته من ساقيه حرمته أيضًا من الاستقرار العائلي. وكانت فترة النزوح من أشد المراحل قسوة عليه، إذ نزح معظم أفراد أسرته وأقاربه قسرا إلى جنوب القطاع، بينما بقي هو في الشمال، بعيدًا عنهم في وقت كان يحتاج فيه إلى وجودهم ومساندتهم.

a7a37c11-1147-437a-8972-7e6cfece3e05.jpg
ومع استمرار الحرب، أصبح تأمين احتياجاته الشخصية والعلاجية، إلى جانب التفكير في احتياجات عائلته، عبئًا إضافيًا يثقل يومه، ومع غياب مصدر دخل ثابت ومحدودية فرص العلاج والتأهيل.

وبعد مدة طويلة من المعاناة دون تحسن ملموس، اضطر أحمد إلى تقديم طلب تحويلة طبية، بحثًا عن فرصة للعلاج قد تساعده على تجاوز بعض آثار الإصابة، وتحسين قدرته على الحركة والاستقلالية. فهو لا ينتظر علاجًا يزيل كل

 ما خلفته الحرب، بقدر ما يأمل في الحصول على فرصة حقيقية للتأهيل، تمكنه من استعادة جانب من حياته التي فقدها.

وبين ألم الإصابة وغياب القدرة على العمل، يبقى أمله معلقًا بالحصول على العلاج المناسب، والعودة يومًا ما إلى ممارسة عمل يمنحه القدرة على إعالة أسرته. فبالنسبة إلى أحمد، لا يتعلق الأمر باستعادة الحركة وحدها، بل باستعادة دوره في الحياة، بعد أن انتزعته الحرب منه في لحظة واحدة.

المصدر / فلسطين أون لاين