في رحلة صيد عادية، غاص محمد مُشيل مقداد في أعماق المياه أمام ساحل مدينة غزة ليفتش بين الصخور عن الأسماك. وعندما لاحت واحدة أمامه انطلق رمح معدني من مسدسه المخصص لصيد الأسماك ليرتطم فجأة بكتلة صلبة تحت الماء.
لم يكن مقداد (33 عامًا) يتوقع أن تقوده رحلة الصيد هذه إلى اكتشاف مادة مفقودة في قطاع غزة ويحتاج إليها السكان بشدة. فقد ارتطم الرمح بكتلة متحجرة تفتتت أمامه وتبين لاحقًا أنها إسمنت متحجر كان داخل الباخرة الباكستانية "ساتيا" التي غرقت أمام سواحل مخيم الشاطئ، غرب المدينة في ديسمبر/ كانون الأول 1973.
ووفق معطيات مؤرخة، كانت "ساتيا" عند غرقها محملة بكميات كبيرة من الإسمنت قيل إنها مخصصة لبناء تحصينات خط "بارليف" الإسرائيلي الذي كان قائمًا على الضفة الشرقية لقناة السويس.
أما الإسمنت التي تحظر (إسرائيل) إدخاله إلى القطاع الساحلي المدمر للعام الرابع على التوالي منذ اندلاع حرب الإبادة يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، استطاع الصيادون استخراج عشرات الأطنان منه بعد أكثر من 50 عامًا على غرق "ساتيا".
"لم أتوقع يومًا العثور على إسمنت في قاع البحر. كانت رحلة صيد تحولت إلى اكتشاف مادة نادرة"، قال مقداد لصحيفة "فلسطين" وهو يحمل كتلة متحجرة لونها أسود.
وبعد هذا الاكتشاف، تحول مكان غرق السفينة ومحيطه على بعد نحو 100 متر من شاطئ المخيم إلى بقعة للبحث والتنقيب بأدوات بدائية "المطرقة" و"الإزميل"، وقد استعان بهما الصيادون لفصل أكياس الإسمنت بعضها عن بعض.
وبشق الأنفس، كان مقداد والصيادون يرفعون الأكياس والكتل المتحجرة من المياه على عمق يتراوح بين 3-5 أمتار، إلى أسطح قواربهم الصغيرة قبل نقلها إلى الشاطئ وإنزالها فوق الرمال.
ومع كل عودة إلى الشاطئ كان مقداد يبدو منهكًا، لكن التعب لم يثنه عن معاودة الغوص في أعماق المياه لانتشال المزيد من الكتل المتحجرة، في حين كان الأفق مفتوحًا على احتمالات تُنذر بالخطر من جراء استباحة زوارق بحرية الاحتلال الإسرائيلي مياه البحر.
وكان هذا الصياد قد فقد منزله خلال الحرب في مخيم الشاطئ الذي تعرض لقصف وأحزمة نارية عنيفة شنها طيران جيش الاحتلال، ودمر مربعات سكنية كاملة، ولجأ مع عائلته إلى خيمة لا تقيهم لسعات البرد على الحافة الغربية لمخيم الشاطئ المُطلة على البحر.
ولا تقتصر أهمية اكتشاف الإسمنت بالنسبة إلى مقداد وغيره من الصيادين على كونه مادة نادرة في غزة، بل تمتد إلى ما يوفره من مصدر رزق بديل، في ظل تراجع نشاط الصيد جراء تدمير جيش الاحتلال الإسرائيلي نحو 95 بالمائة من قطاع الصيد، واستهداف ما تبقى من إمكاناته المحدودة.
وعلى رمال الشاطئ، وقف أحمد (22 عامًا) يترقّب عودة والده، الصياد عبد الكريم جربوع (54 عامًا)، الذي كان يقترب بقاربه الصغير محمّلًا بدفعة جديدة من الإسمنت المتحجّر.
قال أحمد لـ"فلسطين" وهو يتكئ على كومة كبيرة من أكياس الإسمنت: في الأسابيع الأخيرة لم نتمكن من صيد الأسماك، اليوم توفر لنا مصدر دخل مؤقت، مضيفًا، نبيع الكيلو الواحد مقابل 3-5 شواكل، ولدينا إقبال محدود على شرائه.
ويعترف هذا الشاب أن الكميات المستخرجة من "ساتيا" تكتسب أهمية خاصة رغم أن الإسمنت الذي بقي مغمورًا في المياه لعشرات السنين لا يبدو صالحًا بالضرورة للاستخدام الإنشائي المعتاد، فالتصلب والتحجر اللذان أصاباه يجعلان الاستفادة منه محدودة جدًا حتى بعد إعادة تأهيله وإضافة مواد أخرى عليه.
وبحسب المهندس المدني أحمد الدلو، فإن قِدَم هذا الإسمنت وتعرّضه لمياه البحر المالحة يفقدانه صلاحيته للاستخدام في العناصر الإنشائية، كالأعمدة والأسقف، إذ تؤثر هذه الظروف في خصائصه وقدرته على التصلب. ويوضح لـ"فلسطين" أن إعادة طحنه وتدويره قد تتيح الاستفادة منه في استخدامات اضطرارية ومؤقتة، لكنها لا تجعله صالحًا لأعمال البناء الإنشائي.
وسبق أن لجأ مواطنون إلى طحن الإسمنت المتحجر الذي تبقى في قطاع غزة ومنعت (إسرائيل) إدخال كميات إضافية منه في أعقاب اندلاع الحرب، ثم أضافوا إليه مواد أخرى أتاحت إمكانية استخدامه في عمليات الترميم فقط دون اللجوء إليه في الإنشاءات الخرسانية.
وتفرض (إسرائيل) قيودًا مشددة على إدخال الإسمنت ومواد البناء في إطار عرقلتها لعملية إعادة إعمار ما دمره جيش الاحتلال بواقع 80 بالمائة من مساحة قطاع غزة، وفق معطيات ميدانية، في حين لا يعني العثور على كميات منه انتهاء الأزمة، ولا يمثل حلاً لمشكلة السكن في خيامٍ هشّة لا توفر أدنى مقومات الحماية لأصحابها.