لم يكن نزوح عائلة زكي عسلية من منزلها الواقع شرق جباليا إلى بيت أقاربها في جباليا البلد سوى محاولة للنجاة من القصف الذي طارد سكان قطاع غزة منذ الأيام الأولى للحرب.
تمنت العائلة أن تحظى بفرصة لالتقاط أنفاسها، لكن صواريخ الاحتلال لحقت بها إلى المكان الذي احتمت فيه، وحوّلت سقف البيت إلى ركام غطّى أجساد النازحين، في مجزرة لم تترك للعائلة سوى الفقد والإصابات وذكريات لا تنتهي.
في 29 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، استهدفت الصواريخ الإسرائيلية المنزل الذي لجأت إليه العائلة، لتقع مجزرة راح ضحيتها 21 شهيدًا، بينهم ثلاثة من أبناء زكي عسلية، في حين أصيب بقية أفراد العائلة، من بينهم زكي نفسه واثنان من أبنائه، أحدهما ظل عالقًا تحت الأنقاض اثنتي عشرة ساعة، في انتظار أن تمتد إليه يد تنقذه من تحت الركام.
يستعيد زكي تلك الساعات الثقيلة، حين لم يكن يعرف مصير أبنائه، فيما كانت مشاهد الدمار والإصابات تحاصره من كل جانب. ومع مرور الذكرى الثالثة للمجزرة، يقول لصحيفة "فلسطين" إن العائلة اعتقدت أن ابنها الذي بقي تحت الأنقاض قد استشهد، بعدما طال غيابه وتعذّر الوصول إليه، قبل أن يُعثر عليه حيًا، لكن بحالة صحية بالغة السوء.
ويضيف زكي: "اعتقدنا أنه من بين الشهداء، لكننا فوجئنا بأنه ما زال على قيد الحياة، رغم أن وضعه الصحي كان سيئًا للغاية، واحتاج إلى غسيل الكلى، إلى جانب الكسور التي أصابت رجله، ولكن لحظة نجاته ممزوجة بالخوف على حياته، فلم يكن خروجه من تحت الركام نهاية المعاناة، بل بداية رحلة طويلة مع العلاج".
غير أن إصابة زوجته عائشة، البالغة من العمر 40 عامًا، كانت من أخطر الإصابات التي خلّفتها المجزرة، فقد أصيبت بحروق طالت جسدها، وأدّت إلى فقدان عينها اليمنى وتأثر العين الأخرى، فيما اخترقت الحجارة والشظايا جسدها، تاركةً إصابات مؤلمة، إلى جانب ثلاثة كسور في كاحل قدمها، حدّت من قدرتها على الحركة.
لم تكن عائشة تواجه جراحًا جسدية فحسب، بل وجدت نفسها أمام سلسلة من العمليات والعلاجات التي لم تنهِ آلامها، فقد خضعت لتفريغ العين المصابة، ورُكّب لها بلاتين خارجي لتثبيت الكسور في قدمها، على أمل أن تستعيد قدرتها على الوقوف والمشي، لكن النزوح المتكرر والظروف القاسية التي رافقتها زادت حالتها الصحية سوءًا، بعدما أجبرت العائلة على النزوح لمدينة رفح، وسط اكتظاظ شديد عند الحاجز الذي أقامه الاحتلال، حيث تعرّضت قدمها للدعس أثناء التدافع، لتتضاعف آلامها ومعاناتها.
وبعد مراجعات ومتابعات في عدد من المستشفيات، تبيّن أن عملية تثبيت الكسور باستخدام البلاتين الخارجي لم تحقق النتيجة المرجوة، في وقت كانت فيه الحرب والنزوح ونقص الإمكانات الطبية تزيد رحلتها صعوبة.
وفي السابع عشر من مارس/آذار 2024، غادرت عائشة قطاع غزة إلى مصر لتلقي العلاج، حاملةً معها آثار الإصابة وآمالًا باستعادة جزء مما فقدته هناك، خضعت لعمليات تجميلية في موضع العين المصابة، وعملية لتركيب بلاتين داخلي في قدمها، إضافة إلى 22 جلسة ليزر لمعالجة آثار الحروق.
كانت تلك الرحلة محاولة لترميم ما خلّفته المجزرة في جسدها، واستعادة بعض القدرة على ممارسة حياتها، لكن العلاج لم يمحُ آثار الإصابة، ولم يُنهِ حاجتها إلى الرعاية والمتابعة الطبية، وبعد أشهر من العلاج خارج القطاع، عادت عائشة إلى غزة، لتجد نفسها مجددًا في مواجهة واقع النزوح، لكن هذه المرة بجسد أنهكته الإصابات، واحتياجات صحية لا تتوقف.
اليوم، لا تزال عائشة تعاني مشكلات في عينها اليسرى بسبب وجود مياه بيضاء، ما يجعل خروجها تحت أشعة الشمس أمرًا بالغ الصعوبة. والمفارقة أن المرأة التي تتألم من الضوء لا تجد مأوى يقيها منه؛ فهي تعيش في خيمة نزوح تتسلل أشعة الشمس إلى داخلها، فتواجه ظروفًا تزيد مشقتها اليومية.
ولا تزال الحجارة والشظايا مستقرة في أجزاء من جسدها، فيما تذكّرها آثار الحروق بما تعرضت له في ذلك اليوم، وترافقها آلام القدم التي تمنعها من المشي لمسافات طويلة. وبين متطلبات العلاج وصعوبة الحركة وقسوة العيش داخل الخيمة.
أما زكي، فيجد نفسه أمام مأساة لا تختصرها خسارة ثلاثة من أبنائه، ولا تنتهي عند إصابات زوجته ونجاة ابنه من تحت الركام، فقد خسر أفرادًا من أسرته في لحظة واحدة، وبقي عليه أن يواجه تبعات تلك المجزرة يومًا بعد آخر، وأن يرافق زوجته في رحلة علاج لم تكتمل، بينما لا تزال العائلة تعيش النزوح وتفتقر إلى الاستقرار.
هكذا، تحوّل البيت الذي لجأت إليه العائلة بحثًا عن الأمان إلى محطة أخرى في رحلة الفقد، وبقيت عائشة تحمل على جسدها آثار يوم واحد امتد وجعه إلى سنوات من العلاج والنزوح، فيما يواصل زكي وأسرته محاولة النجاة من تبعات مجزرة لم تتوقف فصولها عند ارتقاء الشهداء، بل بقيت حاضرة في تفاصيل حياتهم اليومية.



