حذّر المركز الفلسطيني للدراسات السياسية من تداعيات العقوبات الأمريكية المفروضة على المحكمة الجنائية الدولية، معتبرًا أنها تنقل الضغوط من استهداف القضاة والمدعين العامين إلى محاولة تطويق المؤسسة القضائية ذاتها، بما يهدد قدرتها على مواصلة عملها في المساءلة عن الجرائم المرتكبة في قطاع غزة.
وأوضح المركز، في ورقة بحثية صدرت الأربعاء، بعنوان "من استهداف الأشخاص إلى خنق المؤسسة: العقوبات الأمريكية على المحكمة الجنائية الدولية وحدود حماية مسار المساءلة عن جرائم غزة"، أن التصعيد الأمريكي يضع استقلال المحكمة واستمرارية عملها أمام اختبار جديد، في ظل فجوة بين المواقف الدولية الرافضة للعقوبات والإجراءات العملية المتخذة لحماية المؤسسة.
ورصدت الورقة مسار الإجراءات الأمريكية منذ صدور الأمر التنفيذي رقم 14203 في فبراير/شباط 2025، الذي استهدف المدعي العام وقضاة وشخصيات مرتبطة بالمحكمة، مرورًا بإدراج مؤسسات حقوقية فلسطينية، وصولًا إلى إدراج المحكمة نفسها على قائمة العقوبات في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2026، في خطوة تنقل المواجهة إلى مستوى مؤسسي أوسع.
وفيما يتعلق بتداعيات العقوبات، أوضحت الورقة أن إدراج المحكمة لا يعني فرض حظر فوري وشامل على جميع أنشطتها، مشيرة إلى إصدار أربع رخص عامة تسمح باستمرار عدد من المعاملات والخدمات، بما فيها مدفوعات الدول الأطراف ورواتب الموظفين والتأمين الصحي والخدمات الطبية، على أن تستمر الرخصة رقم 13 حتى 7 أبريل/نيسان 2027.
لكنها حذّرت من أن الخطر الأكبر يتمثل في ما يُعرف بـ"الامتثال المفرط"، حين تلجأ المصارف والشركات ومقدمو الخدمات إلى قطع تعاملاتهم مع المحكمة خشية التعرض لعقوبات أمريكية، الأمر الذي قد يهدد قنوات التمويل والخدمات التقنية والتأمين، ويعرقل عمل المؤسسة حتى في المجالات التي لا تحظرها العقوبات بصورة مباشرة.
وعلى الصعيد الدولي، أشارت الورقة إلى وجود فجوة بين المواقف السياسية الرافضة للعقوبات والخطوات العملية لمواجهتها، موضحة أن اعتراضات أوروبية ومواقف صادرة عن الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي لم تتحول إلى إجراءات تنفيذية كافية لتفعيل نظام التعطيل الأوروبي وضمان استمرار مدفوعات المحكمة وحماية تعاملاتها المالية.
وتطرقت الورقة إلى انعكاسات الأزمة على تنفيذ مذكرات التوقيف الصادرة بحق رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير حربه السابق يوآف غالانت، مؤكدة أن إدراج المحكمة على قائمة العقوبات الأمريكية لا يلغي المذكرات ولا يسقط الالتزامات القانونية للدول الأطراف بموجب نظام روما الأساسي، غير أن تنفيذها يظل مرتبطًا بمواقف الحكومات وإجراءاتها الفعلية.
واستعرضت في هذا السياق إخفاق المجر في تنفيذ مذكرة التوقيف خلال زيارة نتنياهو إليها في أبريل/نيسان 2025، مقابل تعهدات أطلقتها دول أخرى بالالتزام بالتنفيذ، مشيرة إلى أن معظم هذه التعهدات لم يخضع بعد لاختبار عملي.
ولم تقتصر الورقة على رصد المخاطر، بل دعت إلى اتخاذ خطوات عملية لحماية المحكمة، أبرزها الضغط لتفعيل نظام التعطيل الأوروبي، وإنشاء آلية مؤسسية تضمن استمرار مدفوعاتها ورواتب موظفيها، وتسريع انتقالها إلى بدائل تقنية وتأمينية أوروبية، إلى جانب الحصول على تعهدات رسمية مكتوبة من الدول بشأن تنفيذ مذكرات التوقيف.
كما أوصت بتوفير حماية قانونية ومالية للمنظمات الحقوقية الفلسطينية المدرجة على قائمة العقوبات الأمريكية، وتفعيل مبدأ الاختصاص القضائي العالمي أمام المحاكم الوطنية في الدول التي تسمح قوانينها بذلك، بما يتيح مسارات إضافية للمساءلة عن الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين.
وفي تقديرها للمرحلة المقبلة، رجحت الورقة احتواءً جزئيًا لتداعيات العقوبات، بالتوازي مع استمرار تراجع بعض قدرات المحكمة وشبكة الخدمات المرتبطة بها، إذا لم تتحرك الدول الأوروبية بإجراءات تنفيذية سريعة قبل انتهاء المهلة المحددة في 7 أبريل/نيسان 2027.
وخلصت الورقة إلى أن العقوبات لا تعني انهيار المحكمة الجنائية الدولية، كما أن استمرارها لا يضمن صمودها تلقائيًا، مشددة على أن مستقبل المساءلة عن الجرائم المرتكبة في غزة سيتوقف على قدرة الدول على تحويل مواقف الرفض السياسي إلى التزامات قانونية ومالية ومؤسسية قابلة للتنفيذ والقياس.
وتأتي الورقة ضمن إصدارات المركز الفلسطيني للدراسات السياسية، التي تهدف إلى تحليل التطورات السياسية والقانونية المرتبطة بالقضية الفلسطينية، ورصد التحولات الدولية وانعكاساتها على مسارات المساءلة والحقوق الفلسطينية.

