بأيدٍ صغيرة وقلوبٍ أنهكها الفقد، احتضن الطفلان أكرم وجوري جثمان والدهما الشهيد أنس أكرم الحمايدة، وكأنهما يحاولان التشبث به وانتزاعه من الموت، أو استعادة شيء من الأمان الذي تبدد برحيله.
لم يكن حضورهما أمام جثمانه مجرد وداع أخير، بل لحظة انكسار لطفلين وجدا نفسيهما فجأة أمام حقيقة قاسية: أن أباهما الذي كان يمنحهما الحنان والأمان لن يعود إلى خيمتهما بعد اليوم.
«الله يرحمك يا بابا»، قالت جوري، طفلته الكبرى، بكلمات قليلة اختصرت وجعًا أكبر من قدرتها على التعبير. احتضنت جثمان والدها مرة، ثم راحت تمسح بيديها على كفنه مرة أخرى، في محاولة للمسه للمرة الأخيرة.
لم تسعفها الكلمات لتقول ما يختلج في صدرها، فتركت يديها الصغيرتين تتحدثان عن شوق لن ينتهي، ووداع لم تكن مستعدة له.
أما أكرم، فشارك شقيقته احتضان جثمان والدهما أمام مشرحة مجمع ناصر الطبي في خانيونس، بينما غابت شقيقتهما الثالثة هدى عن مراسم الوداع، ثلاثة أطفال باتوا يواجهون اليُتم، بعدما انتزع قصف إسرائيلي والدهم من بينهم، وترك في حياتهم فراغًا لا تملؤه الكلمات ولا تعوّضه مواساة المعزين.

قصفٌ ينتزع الأب من خيمته
استُشهد أنس الحمايدة إثر استهداف طائرة مسيّرة إسرائيلية خيمته قرب كلية الرباط في منطقة مواصي خانيونس، جنوبي قطاع غزة، في قصف أسفر كذلك عن إصابة نحو عشرة مواطنين آخرين، وفق شهادة أحد أقاربه.
وقال محمد الحمايدة، أحد أقرباء الشهيد، إنه شاهده قبل دقائق من الاستهداف، بعدما اشترى لعائلته أصنافًا محدودة من الخضراوات التي بدأت تصل إلى الأسواق عقب انقطاعها إثر إغلاق الاحتلال المعابر.
حمل أنس ما اشتراه ومضى إلى خيمته، قبل أن يدوي انفجار إثر استهدافها، وينتهي كل شيء خلال لحظات.
لم يكن يعلم أن عودته إلى أطفاله ستكون الأخيرة، وأن الخضراوات التي حملها لعائلته ستبقى شاهدًا على تفاصيل يوم عادي انقلب فجأة إلى مأساة، وأن أطفاله الثلاثة سيحرمون من رؤيته مجددًا.
وزادت قسوة الفاجعة بعدما شوّه القصف ملامح الشهيد، فلم يتمكن ذووه من التعرّف إليه بسهولة أو وداعه كما يودّع الأهل أحباءهم.
وبينما كان أطفاله يحاولون لمس جسده للمرة الأخيرة، كانت عائلته تواجه صدمة الفقد، مثقلة بتفاصيل رحيل لم يمهلها حتى فرصة الوداع.

وجع يتجدد في قلب الأب والأم
لم يتمالك والد الشهيد نفسه أمام جثمان نجله، فانهار باكيًا، قبل أن يحاول التماسك أمام المعزين، مستقبلاً مواساتهم ومعانقًا إياهم رغم ثقل المصاب.
لم يكن هذا الفقد الأول الذي يضرب العائلة؛ فقد سبق أن فقد ابنه محمد في الأيام الأولى من الحرب، وظل مصيره مجهولًا، ليجد نفسه اليوم أمام وجع جديد يضاعف جراحه.
وعند رأس جثمان أنس، جلست والدته هدى، تترحم عليه وتدعو له، فيما انهمرت دموعها بصمت على خديها واحمرّت عيناها من شدة البكاء، لم تملك سوى كلمات الصبر والترحم، مستذكرة نجلها الذي وصفته بالبار بها والمطيع لتوجيهاتها.
في مواصي خانيونس، حيث تتلاصق خيام النازحين وتكتظ المنطقة بعشرات الآلاف ممن أُجبروا على ترك منازلهم تحت القصف والتهديد، لم تكن خيمة أنس استثناءً، فقد لجأت عشرات آلاف العائلات إلى هذه المنطقة بعدما أجبرتها آلة الحرب العسكرية الإسرائيلية على النزوح، وظنت أن ابتعادها عن منازلها سيمنحها قدرًا من الأمان.
لكن القصف وصل إلى خيمة أنس، ليحوّل مأوى النزوح إلى مكان للفقد، ويترك ثلاثة أطفال أمام حياة مختلفة تمامًا، بلا أب ينتظرونه عند مدخل الخيمة، أو يفرحون بعودته حاملًا بعض احتياجاتهم.
رحل أنس، وبقي أكرم وجوري وهدى يحملون غيابه في طفولتهم، في حين ستظل كلمات جوري، «الله يرحمك يا بابا»، ويداها الممسوحتان على كفنه، صورة تختصر مأساة أطفال حُرموا من أبيهم، في حرب لا تزال تنتزع من العائلات أحباءها وأبسط تفاصيل الحياة.


