منذ شهر، تطلب ابنة وردة البطريخي من أمها أن تطهو لها الملوخية، لكن الطبخة التي تبدو بسيطة تحولت إلى أمنية مؤجلة في مخيم الإسراء وسط مدينة غزة.
لا تستطيع الأم توفير مكوناتها، ولا تزال ابنتها تجدد طلبها كل يوم، في حين تحاول وردة تدبير وجبة واحدة لأسرتها، بعدما فقدت زوجها وأباها في الحرب، وأصبحت تواجه وحدها أعباء النزوح والجوع ومرض طفلها المصاب بالسرطان.
يعاني طفلها كتلة سرطانية في الرقبة، لكن الحرب والنزوح وتأخر العلاج ونقص الأدوية حالت دون حصوله على الرعاية اللازمة.
ومع مرور الوقت، انتشر المرض إلى رئتيه، وأصبحت حالته شديدة الصعوبة، حتى بات عاجزًا عن الجلوس أو النهوض، ولا يستطيع الحركة إلا بصعوبة بالغة.
وبينما تحتاج إلى توفير العلاج والغذاء المناسب لطفلها، تكافح وردة لتأمين الحد الأدنى من الطعام لبقية أبنائها، في ظل غياب مصدر دخل وعدم قدرتها على شراء الاحتياجات الأساسية.
وجبة واحدة
في مخيم للنازحين وسط مدينة غزة، حيث نزحت قسرا من مدينة الزهراء وسط القطاع، تقول وردة لـ"فلسطين" إن أسرتها المكونة من ستة أفراد باتت تعتمد على وجبة واحدة يوميًا، لا تكفي غالبًا لإشباع الجميع، ويتناولها الأطفال قرب موعد المغرب، بعد ساعات طويلة من الانتظار.
وتوضح أن وجبات الأيام الأخيرة اقتصرت على المعكرونة والعدس. وتضيف: "لا رز، ولا بطاطا، ولا سلطة، ولا أي شيء".
ولم تعد وردة قادرة على تنويع الطعام أو توفير وجبات متكاملة لأطفالها؛ فحتى العدس والفاصوليا، اللذان تلجأ إليهما الأسر بديلًا من الأصناف المرتفعة الثمن، باتا صعبي المنال بالنسبة إليها.
وتقول إن أسرتها لم تكن تملك القدرة المالية الكافية لشراء احتياجاتها حتى قبل تفاقم التجويع مع فرض الاحتلال مزيدا من القيود على دخول المساعدات والبضائع، وكانت تعتمد على ما يتيسر من مساعدات ومواد غذائية، لكن تقلص هذه الموارد جعل تأمين الطعام اليومي أكثر صعوبة.
طفل مريض
تتضاعف معاناة وردة مع تدهور الحالة الصحية لطفلها. فقد تزامن مرضه مع الحرب والنزوح، وتعذر حصوله على العلاج اللازم في ظل الظروف الصحية الصعبة ونقص الأدوية وعدم توافر الرعاية التي يحتاج إليها.
ومع تأخر العلاج، امتد المرض إلى رئتيه، وفق إفادة والدته، وتراجعت قدرته على الحركة بصورة كبيرة، حتى بات عاجزًا عن الجلوس أو النهوض بصورة طبيعية.
ولا تستطيع الأم توفير الغذاء الذي يحتاج إليه طفلها بانتظام، إذ تقول إنه يعاني فقر الدم، ويحتاج إلى الحليب والجبنة والسمك واللحوم، لكنها تعجز عن تأمين هذه الأصناف.
وتشير إلى أن بعض الأطعمة التي تضطر إلى تقديمها له تسبب انتفاخ بطنه وأوجاعًا، ما يزيد قلقها على صحته.
وبين حاجته إلى العلاج والغذاء المناسب واحتياجات إخوته، تجد وردة نفسها أمام أعباء تفوق إمكاناتها، بعدما فقدت زوجها وأباها، وباتت تتحمل مسؤولية أطفالها في ظروف لا تتيح لها تأمين أبسط متطلباتهم.
مساعدات غائبة
تقول وردة إنها لم تحصل على المساعدة الغذائية من برنامج الأغذية العالمي منذ مارس/آذار الماضي، أي منذ نحو سبعة أشهر، بحسب روايتها، وإن المساعدة التي تحصل عليها ابنتها تأتي مرة كل ثلاثة أشهر.
كما تشير إلى أنها لم تستفد من برامج مساعدة نقدية أخرى، بما فيها مساعدة بقيمة 1250 شيكلًا.
ولا تقتصر معاناة الأسرة على الطعام؛ فالمياه الصالحة للشرب تصل بصورة متقطعة، وقد تنتظر وردة ثلاثة أو أربعة أيام للحصول عليها.
وتروي أنها لم تتمكن في إحدى المرات من تعبئة جالون المياه عند وصولها، ثم اضطرت إلى الانتظار مجددًا، دون أن تعرف متى ستصل الإمدادات التالية.
وتقول إن المياه المالحة لا تتوافر هي الأخرى بانتظام، لتضاف أزمة العطش إلى الجوع والحرمان من الاحتياجات الأساسية.
وتختصر احتياجات أسرتها بقولها: "إحنا بدنا خضرة، بدنا أكل، بدنا تكية، بدنا حدا يتبرع لنا بالخبز، لأنه ما فيش، حتى المية مش قادرين نجيبها".
وبين مرض طفلها والجوع وفقدان زوجها وأبيها، تحاول وردة تدبير يوم آخر في النزوح، في حين تبقى احتياجات أطفالها أكبر من قدرتها على تلبيتها.