في وقت تزعم سلطات الاحتلال الإسرائيلي وجود "تسهيلات" في إدخال البضائع إلى قطاع غزة، يكشف الواقع الميداني والأسواق عن فجوة واسعة بين تلك المزاعم وما يصل فعلياً للمواطنين.
وإزاء ذلك جدد مواطنون وتجار واقتصاديون مطالبتهم المجتمع الدولي بالضغط على سلطات الاحتلال لإدخال جميع احتياجات القطاع من مأكل ومشرب وملبس ومواد إعمار.
وقال المواطن سميح الخالدي إن الاحتلال الإسرائيلي "ما زال يهندس عملية التجويع في قطاع غزة، فهو في الإعلام يتحدث عن إدخال احتياجات القطاع لكن واقع السوق عكس ذلك تماماً".
وأضاف الخالدي لصحيفة "فلسطين" أن السوق يتعطش للمنتجات الغذائية الأساسية، والكميات المدخلة محدودة جداً ولا تكفي لتغطية محافظات القطاع الخمس، في ظل إقبال كبير وتهافت المواطنين على الشراء بعد النقص الحاد.
فيما أوضح المواطن فؤاد عابد أنه رغم الإعلان عن إدخال الدقيق للمخابز التجارية، إلا أن الطوابير ما تزال ممتدة أمام المخابز.
وقال عابد لصحيفة "فلسطين" إن المطلوب رفع كامل للقيود الإسرائيلية المفروضة على المعابر، وإدخال المواد الأساسية دون قيود أو انتقائية، مؤكداً أن ما يدخل حالياً لا يتجاوز نسبة قليلة من الاحتياج اليومي المقدر بمئات الشاحنات من المواد الغذائية والطبية والوقود.
وبحسب تقرير سابق للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة بمناسبة مرور عام على اتفاق وقف إطلاق النار، فإن الاحتلال لم يسمح بدخول سوى 74,855 شاحنة فقط منذ بدء الاتفاق، بينما كان المفترض دخول 219,000 شاحنة، بنسبة التزام لا تتجاوز 34%، وبفجوة تراكمية تزيد عن 144,000 شاحنة.
كما ذكر تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" الصادر في 22 أكتوبر الجاري، أن القطاع التجاري وصله 315 شاحنة فقط بين 12 و18 أكتوبر بانخفاض 25% عن الأسبوع السابق، ما أدى لارتفاع سعر سلة الغذاء 20%.
اقتصاد بقاء
من جهته، قال الخبير الاقتصادي د. سمير الدقران، إن على الاحتلال أن يضع حداً لما يقوم به تجاه غزة، فللعام الرابع على التوالي غزة في حالة حرب، والاحتلال ما زال يتحكم في الصادر والوارد ويغلق المعابر لأي سبب، تارة بادعاء الضرائب المزعومة وتارة بسبب الانتخابات والأعياد.
وأكد الدقران لصحيفة "فلسطين" أن الاحتلال يتحكم بالكامل في الأصناف المدخلة، وأن قطاع غزة بأمس الحاجة الآن للمواد الأساسية والتموينية والطبية والغذائية والوقود والمحروقات، وأيضاً لمستلزمات المأوى من شوادر وخيام وألواح الصفيح قبل هطول كميات كبيرة من الأمطار.
وشدد على ضرورة الإسراع في إدخال مواد الإعمار، على الأقل مواد الترميم الجزئي، لتمكين السكان من ترميم منازلهم المتضررة، حتى وإن تأخرت عملية إعادة الإعمار الشاملة.
وحذر الدقران من أن ما هو قادم أخطر بكثير مما مضى، فقطاع غزة مقبل على فصل شتاء قاسٍ في ظل انعدام مقومات الإيواء، حيث يعيش أكثر من مليون ونصف المليون نازح في خيام مهترئة وشوادر بلاستيكية لا تقي برداً ولا تمنع تسرب المياه، بينما تفتقد الأسواق لأبسط مستلزمات الشتاء من نايلون مقوى وأخشاب وألواح زينكو ومواد عزل.
وأضاف أن الاقتصاد في غزة لم يعد اقتصاد سوق، بل اقتصاد بقاء، فالمصانع متوقفة بنسبة 90% لانعدام المواد الخام، والورش الحرفية عاجزة عن العمل لانعدام الكهرباء والوقود، ما فاقم معدلات البطالة والفقر إلى مستويات غير مسبوقة.
وأكد الدقران أن المطلوب اليوم ليس مجرد إدخال مساعدات إنسانية، بل فتح اقتصادي شامل يضمن تدفقاً حراً للبضائع في الاتجاهين، واستئناف التصدير الذي توقف منذ أربع سنوات، وتمكين القطاع الخاص من استعادة دوره، مشيراً إلى أن القانون الدولي الإنساني يفرض على الاحتلال كقوة احتلال التزاماً بتوفير احتياجات المدنيين، لا تجويعهم ومحاصرتهم.
وقال إن صمت المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية على سياسة الإغلاق الانتقائي للمعابر يشجع الاحتلال على الاستمرار في هندسة التجويع والتحكم بلقمة عيش المواطن، داعياً الوسطاء والدول الضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار إلى إلزام الاحتلال بفتح المعابر بشكل دائم ودون ذرائع


