فلسطين أون لاين

"كعكة ميلاد لم تكتمل".. كتاب يوثّق حرب غزة بعينَيْ صحفي عاش المأساة

...
جانب من حفل توقيع الكتاب
غزة/ عبد الله التركماني:

من كعكة عيد ميلاد لم تُقدَّم، وحفلة لم تكتمل، إلى حرب قلبت حياة عائلة فلسطينية رأساً على عقب، انطلقت فكرة كتاب "كعكة ميلاد لم تكتمل" للصحفي الفلسطيني محمد أحمد، الذي يحاول من خلاله توثيق تجربته الإنسانية والمهنية خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، ونقل تفاصيل عاشها وشهد عليها بصفته صحفياً وواحداً من أبناء القطاع الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة النزوح والتشرد والفقد والتجويع.

وقال أحمد لصحيفة "فلسطين" إن فكرة الكتاب وُلدت من حكاية شخصية بدأت مع الاستعداد للاحتفال بعيد ميلاد ابنته جلنار في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وهو اليوم الذي بدأت فيه الحرب على قطاع غزة، لتتحول أجواء الاحتفال المنتظر إلى بداية رحلة طويلة من المعاناة والانفصال عن العائلة.

وأضاف أحمد، في حديثه، أن اسم الكتاب يرتبط بتلك اللحظة التي لم تكتمل فيها فرحة عيد الميلاد، قائلاً: "كنا نستعد لإقامة حفلة عيد ميلاد ابنتي جلنار، لكن الحرب جاءت على عكس ما تمنيناه. لم تكتمل الكعكة، ولم يكتمل عيد الميلاد، وبدأت بعدها رحلة النزوح والتشرد والتغطية الإعلامية، حتى وصلت بنا الحال إلى التفرق عن العائلة وسفرها إلى خارج القطاع، في حين بقيت أنا في شمال غزة أغطّي ما يجري".

وأوضح أن الكتاب لا يقتصر على سرد الأحداث الكبرى التي شهدها القطاع خلال الحرب، بل يستعيد أيضاً التفاصيل الإنسانية الصغيرة التي رافقت حياته وحياة عائلته، وما حملته من مخاوف وأسئلة عن المستقبل، ولا سيما أنه كان يسعى دائماً إلى توفير حياة أفضل لبناته وتأمين مستقبل أكثر استقراراً لهن.

وقال: "كان محمد يحاول دائماً البحث عن حياة أفضل لعائلته ومستقبل أفضل لبناته، لكن الحرب جاءت لتقلب كل شيء. أصبح النزوح حليفنا، والتشرد طريقنا، ووجدت نفسي مضطراً إلى مواصلة عملي الصحفي وسط ظروف قاسية، فيما كانت عائلتي بعيدة عني".

من خلف الكاميرا إلى صفحات الكتاب

وأشار أحمد إلى أن تجربته الصحفية الممتدة منذ عام 2006، مبينا أن بدايات عمله مصوراً، منحته فرصة لمعاينة الأحداث وتوثيقها من مواقع مختلفة، موضحاً أنه عمل مصوراً، ثم مديراً للإنتاج في وكالة شهاب للأنباء، قبل أن يبدأ مع اندلاع الحرب العمل مراسلاً لعدد من القنوات الفضائية من داخل قطاع غزة، ليستقر لاحقاً مراسلاً لقناة "TRT العربية" التركية الناطقة باللغة العربية.

وأشار إلى أن الانتقال من العمل التلفزيوني إلى الكتابة أتاح له مساحة أوسع للتعبير عن مشاعره وتجربته الشخصية، بعيداً عن القوالب المهنية التي تحكم التقارير الإخبارية، قائلاً: "في التقارير التلفزيونية، غالباً ما أكون مطالباً بنقل الحدث وتقديم المعلومات، ولا تتاح لي المساحة الكافية للتعبير عن رأيي الشخصي أو إخراج كل ما بداخلي. أما في الكتاب، فقد حاولت أن أتحدث بمفرداتي وأسلـوبي وأحاسيسي ومشاعري، وأن أكتب ما عشته وما تركته الحرب في داخلي".

وبيّن أن صفحات الكتاب تتناول محطات متعددة من الحرب، تشمل القصف والمجازر والمجاعة، إلى جانب عمليات القتل على الحواجز والمناطق التي تحولت إلى مصائد للموت، ومن بينها منطقتا "النابلسي" و"زيكيم"، اللتان ارتبط اسماهما في ذاكرة الغزيين بمشاهد دامية خلال الحرب.

وأضاف أن ما دفعه إلى الكتابة لم يكن مجرد الرغبة في تسجيل تجربته الشخصية، بل شعوره بضرورة ترك شهادة مكتوبة على ما جرى في غزة، وعلى ما عاشه الصحفيون والإعلاميون الفلسطينيون خلال عملهم في ظروف استثنائية، وهم يحاولون نقل معاناة الناس إلى العالم رغم المخاطر التي تحيط بهم.

وقال: "أردت أن أترك شهادة وبصمة في مجال الكتابة، وأن أوثّق ما جرى معنا بوصفنا صحفيين وإعلاميين. لقد عشنا الأحداث، وشهدنا تفاصيلها، ولم نكن مجرد ناقلين لها؛ كنا أيضاً جزءاً من واقعها القاسي".

"أريد للقارئ أن يعرف ما كان يدور في صدري"

وحول الرسالة التي يسعى إلى إيصالها من خلال الكتاب، أوضح أحمد أنه لا يكتب لأبناء غزة وحدهم، فهم عاشوا تجارب أشد قسوة وتعقيداً، ولدى كثيرين منهم حكايات تستحق أن تُروى وتُحفظ للأجيال المقبلة، بل يسعى إلى مخاطبة القارئ العربي والدولي، وإطلاعه على جوانب من الحياة اليومية تحت الحرب قد لا تحظى بالاهتمام الكافي في التغطيات الإخبارية.

وقال: "أحاول أن أبقي القارئ الغزاوي قريباً مما كان يجول في صدر محمد أحمد، وما كان يخطر في باله، وكيف تفرّق عن عائلته وابتعد عنها. أريد أن يعرف القارئ أن وراء كل خبر صحفي إنساناً له عائلة ومشاعر ومخاوف وأحلام، وأن الصحفي الذي ينقل المأساة يعيشها هو الآخر".

وأضاف أن الكتاب يتوقف عند تفاصيل إنسانية دقيقة قد تمر سريعاً على شاشات التلفزيون أو تضيع وسط زخم الأخبار والمنشورات على منصات التواصل الاجتماعي، مشيراً إلى أن هذه التفاصيل تساعد القارئ على فهم أعمق للتجربة الفلسطينية خلال الحرب، بعيداً عن الاكتفاء بالأرقام والعناوين العاجلة.

وشدد على أهمية وصول الرواية الفلسطينية إلى القراء في مختلف أنحاء العالم، في ظل التحديات التي تواجه نقل الحقيقة الفلسطينية، قائلاً: "أسعى إلى أن تصل رسالتنا إلى القارئ الدولي، وأن أضع أمامه تفاصيل دقيقة من حياتنا وتجربتنا في غزة، لأن روايتنا قد تصل أحياناً منقوصة أو محرّفة بفعل السياسات الإعلامية وطريقة تناول الأحداث".

وتابع أن الاعتماد على منصات التواصل الاجتماعي وحدها في حفظ الذاكرة يظل محفوفاً بالمخاطر، بسبب احتمال حذف المحتوى أو التلاعب به أو استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتزييف الصور والوقائع، معتبراً أن الكتاب يشكل وسيلة إضافية لحفظ الشهادات الإنسانية والتاريخية.

وقال في هذا السياق: "هناك أرشيف واسع من القصص والحكايات على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن هذا الأرشيف ليس محصّناً من الحذف أو التزوير أو التلاعب. ومع تطور الذكاء الاصطناعي، أصبح تزييف الحقائق أكثر سهولة؛ لذلك أردت أن تكون هذه التجربة محفوظة في كتاب، وأن تبقى شاهدة على ما عايشناه".

طموح للوصول إلى العالم بلغات متعددة

وعن مراحل إعداد الكتاب، أوضح أحمد أن التوثيق بدأ منذ الأيام الأولى للحرب، من خلال تدوين الملاحظات والذكريات والأحداث، فيما بدأت الكتابة الفعلية بصورتها المنظمة قبل نحو عام وشهرين من حديثه، وصولاً إلى جمع التجارب الشخصية والمشاهدات الصحفية في عمل واحد.

وأشار إلى أن الكتاب سيكون متاحاً ابتداءً من 28 أكتوبر/تشرين الأول، ضمن فعاليات الدورة التاسعة والعشرين من معرض الجزائر الدولي للكتاب، من خلال دار "صاد" للنشر والتوزيع، معرباً عن أمله في أن تمثل هذه المشاركة بداية لوصول الكتاب إلى جمهور أوسع خارج فلسطين.

وأكد أن طموحه يتجاوز إصدار الكتاب باللغة العربية، إذ يسعى إلى ترجمته إلى لغات متعددة، لافتاً إلى وجود اتصالات أولية مع مؤسسات وأفراد أبدوا اهتماماً بترجمته، من بينهم جهات وأشخاص من إنجلترا واليابان، من دون أن تكون خطوات الترجمة قد دخلت بعد مرحلة التنفيذ الفعلي.

وقال أحمد: "أتمنى أن يصل الكتاب إلى العالمية، لا باعتباره كتاباً لمحمد أحمد فحسب، بل بوصفه شهادة إنسان وصحفي عاش في غزة؛ غزة المتعبة والمنهكة والمحاصرة والمجوّعة. أريد أن تصل من خلاله رسالة أبناء القطاع إلى العالم، وأن تحمل صفحاته حكايات الذين عانوا وفقدوا أحباءهم وعاشوا ظروفاً لا يمكن اختزالها في خبر أو صورة".

وأضاف أن أحد أهم أهدافه يتمثل في تخليد ذكرى الصحفيين الذين استشهدوا خلال الحرب، والحفاظ على حضورهم الإنساني والمهني في الذاكرة، مؤكداً أن توثيق تجاربهم يمثل جزءاً من مسؤولية الكتابة في زمن الحرب.

وختم بالقول إن مشاركته في معرض الجزائر الدولي للكتاب قد تكون نقطة انطلاق نحو تحقيق هذا الطموح، معرباً عن أمله في أن يجد الكتاب طريقه إلى القراء بلغات مختلفة، وأن يتحول إلى شهادة إنسانية تتجاوز حدود المكان، وتمنح العالم فرصة للاطلاع على غزة من داخل التجربة، لا من خلال الأخبار وحدها.

المصدر / فلسطين أون لاين