لم تكن الطفلة فاطمة هشام البيوك (8 أعوام) تعلم أن نجاتها من تحت أنقاض منزل عائلتها المدمر ستتركها وحيدة في مواجهة حياة مثقلة بالفقد، وأن الأيام التي كُتبت لها فيها النجاة ستنتهي برصاصة إسرائيلية تنتزع منها ما تبقى من طفولتها.
فبعدما فقدت فاطمة والديها وإخوتها السبعة في قصف إسرائيلي استهدف منزلهم في مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة أواخر 2023، لحقت فاطمة بعائلتها شهيدة، لتُطوى بذلك حكاية طفلة نجت من الموت تحت الركام، لكنها لم تنجُ من رصاص الاحتلال.
وفي مشهد يختصر فصولًا من المأساة، ودّع ذووها جثمانها بعد ارتقائها مساء السبت 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، متأثرة بإصابتها برصاص قوات جيش الاحتلال، بعدما استهدفها قناص إسرائيلي في أثناء لعبها مع أطفال آخرين في منطقة شارع المزرعة شرقي مدينة دير البلح وسط القطاع، وفقًا لرواية عائلتها.
ولم تكن فاطمة مجرد طفلة فقدت أسرتها، بل كانت الناجية الوحيدة التي بقيت منها، والوجه الذي استعاد عبره أقاربها شيئًا من ذكريات أحبائهم الذين غيّبهم القصف، غير أن الرصاصة التي أصابتها وضعت حدًا لتلك الحكاية، وأعادت خالها محمد بكر أبو عمرة إلى دائرة الفقد، بعدما ظن أن الطفلة التي انتُشلت من بين الركام ستبقى شاهدًا حيًا على عائلتها.
يومان تحت الركام
يستعيد أبو عمرة اللحظات القاسية التي أعقبت قصف منزل عائلة البيوك، حين دُفن أفراد الأسرة تحت الأنقاض، ولم تنجُ منهم سوى فاطمة، التي بقيت يومين كاملين تحت الركام، قبل أن تتمكن العائلة من انتشالها وهي على قيد الحياة.
يقول خالها، بصوت تختلط فيه الحسرة بالعجز: "هذه فاطمة، الناجية الوحيدة من إخوانها السبعة، قصف جيش الاحتلال منزلهم واستشهد إخوانها كلهم، وبقيت تحت الركام يومين حتى أخرجناها ووجدناها تتنفس".

كانت الطفلة مصابة في إحدى ساقيها، لكنها نجت من الموت، وانتقلت للعيش في كنف جدتها التي تولت رعايتها. وسط محاولات العائلة تضميد جراحها وتوفير ما تستطيع من الأمان والحنان لطفلة فقدت أسرتها دفعة واحدة.
وبمرور الوقت، أصبحت فاطمة بالنسبة إلى أقاربها أكثر من طفلة يتيمة؛ كانت ما تبقى من رائحة أمها وذكريات إخوتها، ونافذة صغيرة يستحضرون من خلالها وجوهًا غابت تحت الأنقاض. يقول أبو عمرة: "انبسطنا عليها، وقلنا بقيت هي ريحة أمها وريحة إخوانها في فاطمة". لكن تلك الفرحة الهشّة لم تصمد طويلًا أمام استمرار الخطر الذي يلاحق الفلسطينيين في قطاع غزة.
رصاصة تنهي الحكاية
بحسب رواية خالها، كانت فاطمة تلعب مع أطفال آخرين في منطقة شارع المزرعة شرقي دير البلح، حين تعرضت لإطلاق نار مباشر من قوات جيش الاحتلال، فأصيبت إصابة خطيرة أودت بحياتها مساء السبت.
ويشدد أبو عمرة على أن ما جرى لم يكن، بحسب روايته، إطلاق نار عشوائيًا، بل استهدافًا مباشرًا للطفلة، التي لم تكن تحمل سوى طفولتها، ولم تعرف من الحياة إلا قليلًا قبل أن تفقد عائلتها ثم تفقد حياتها هي الأخرى.
وبمرارة، يتساءل الرجل الذي أثقلته الخسارات: "يعني مش بس فاطمة؟ مش استكفيتوا يا يهود في أمي وإخواني؟ لحقتهم فاطمة؟".
فأبو عمرة، الذي يروي مقتل ابنة أخته، يحمل بدوره سجلًا مثقلًا بالموت؛ إذ يقول إنه ودّع عددًا من أفراد أسرته وأقاربه شهداء، بينهم أشقاء وشقيقة وعمه، حتى بات التشييع والفقد جزءًا متكررًا من حياته اليومية.
طفولة تُقتل وخوف لا ينتهي
لا يرى أبو عمرة في استشهاد فاطمة حادثة منفصلة عن واقع يعيشه الفلسطينيون في غزة، حيث يقول: إن القتل مستمر رغم اتفاق وقف إطلاق النار، وإن مشاهد الشهداء تتكرر يوميًا، في ظل شعور متزايد بانعدام الأمان حتى داخل المنازل.
ويقول: إن عائلته لم تعد تشعر بالطمأنينة ليلًا، وإن الخوف يرافقها حتى في أماكن يفترض أن تكون ملاذًا آمنًا، ثم يوجّه نداءً إلى العالم: "ارحمونا شوية، خافوا الله في أطفالنا، أطفالنا بيموتوا، وكل يوم نودع أطفالاً شهداء".

وكانت فاطمة، تحلم أن تعيش، وأن تجد بين ذراعي جدتها ما يعوضها بعضًا من دفء العائلة التي فقدتها، لكنها رحلت والتحقت بوالديها وإخوتها الذين سبقوها إلى الموت، تاركة وراءها سؤالًا موجعًا يتجاوز عائلتها: كم مرة ينبغي أن يفقد الطفل كل شيء قبل أن يجد من يحميه؟
في وداع فاطمة، لم تبكِ عائلتها طفلة رحلت فحسب، بل ودّعت آخر فرد من أسرة أبيدت تحت القصف الإسرائيلي، ثم لحقت بها الناجية الوحيدة برصاص الاحتلال.
وهكذا، انتهت حكاية الصغيرة التي انتُشلت من قلب الركام حيَّة، قبل أن يُنتزع منها حقها في الحياة، وتبقى قصتها شهادة جديدة على طفولة فلسطينية يطاردها الموت حتى بعد النجاة.


