لم تكمل جوري عامها السابع حتى قرر الاحتلال الإسرائيلي قتلها. لم تستطع النوم من صوت إطلاق النار من آليات الاحتلال صوب الخيام الممزقة بمنطقة الإقليمي في مواصي خانيونس، وهي تتوسل إلى والدتها في ليلتها الأخيرة، وهي ترتجف: «إنها خائفة من الرصاص».
جوري إسلام الصوفي، التي فقدت والدها خلال حرب الإبادة المتواصلة على أهل غزة منذ أكثر من ثلاث سنوات، تشبثت بحضن والدتها، لكن رصاصة غادرة استقرت في قلبها، وقتلت طفولتها. لم تذهب جوري إلى المدرسة أمس، فقد ارتقت روحها إلى السماء، تشكو ظلم مجرمي الأرض!
جوري لم ترتكب جرمًا أو ذنبًا، قدرها أن تكون فلسطينية. عاشت النزوح والخوف والرعب وفقد الأب، وعانت من المجاعة والرعب والحرمان، وحلمت بالحياة والأمل، لكن جيش الاحتلال قضى عليها، وترك حسرة أليمة في قلب والدتها وعائلتها.
قصة جوري، التي لا يريد العالم الذي يتغنى بحقوق الطفل أن يسمع بها، تختصر الموقف الإسرائيلي من الشعب الفلسطيني. نظرة إلى مزادهم الانتخابي ستكتشف دون عناء أن الثابت لديهم جميعًا هو أن «الفلسطيني الجيد هو الفلسطيني الميت أو المُهجَّر من أرضه ووطنه»!
جميعهم في «إسرائيل» يريدون أرض الفلسطيني بلا شعب، ويتعاملون مع أصحاب الأرض الأصليين باعتبارهم ضيوفًا انتهت ضيافتهم، وعليهم مغادرة الأرض. لا يتنازلون قيد أنملة عن سيطرتهم الأمنية والعسكرية على كل الأرض، ويعتبرون القدس عاصمة أبدية موحدة لا تنازل عنها، ودولة يهودية خالصة، ويرفضون حق العودة للاجئين. إقامة دولة فلسطينية خط أحمر، وأقصى غايتهم مجموعة من الجزر والكانتونات الفلسطينية المنفصلة بإدارة بلدية. خبثاء في إدارة الصراع إلى حين توفر البيئة المناسبة لتحقيق هدفهم الأسمى بتهجير الشعب الفلسطيني.
نحن لا ننتظر من الانتخابات الإسرائيلية خيرًا لشعبنا، والمفاضلة عند البعض هي بين الأكثر سوءًا والأسوأ. الإجماع على شطب وقتل وتشريد الفلسطيني عنوان رئيس، والباقي تفاصيل!
الخلاف بين الساسة الإسرائيليين فقط على الأسلوب الأمثل لحلم إنهاء الشعب الفلسطيني -ولن يستطيعوا-. بعضهم يعتمد استراتيجية الحسم أحادي الجانب والتوسع المباشر، وآخرون يعتمدون استراتيجية الاحتواء الأمني والدبلوماسي للسيطرة على الصراع وتخفيف الضغط الدولي.
نتنياهو وزمرته يسعون إلى تسريع الضم والاستيطان، وغض الطرف عن إرهاب المستوطنين، والاستمرار في البناء المكثف، وتوسيع البؤر العشوائية لفرض سياسة «الضم الزاحف»، وتبني أفكار التهجير لتصفية الوجود الفلسطيني عبر تشجيع «الهجرة الطوعية» أو تفريغ مناطق جغرافية محددة، وإدارة الظهر للضغوط الدولية والأمريكية، مما يعزز العزلة الدبلوماسية.
وآيزنكوت وزمرته يريدون تعظيم الاستيطان، لكن بتنظيمه تحت غطاء القانون الإسرائيلي، ووقف اعتداءات المستوطنين المنفردة، ومحاولة إشراك أطراف دولية وعربية لإدارة الشؤون المدنية للفلسطينيين دون منحهم سيادة سياسية، باعتبار ذلك يُحسّن صورة إسرائيل دوليًا، ويعيد تدوير «إدارة الصراع» بأسلوب هادئ!
كلهم لا يختلفون على قتل جوري وشعب جوري، وتهجير الفلسطيني ومنعه من حقوقه السياسية والإنسانية. يتبنون الحسم العسكري في القدس وغزة والضفة، وحتى داخل أراضي 48، وحرية الحركة العسكرية لجيش الاحتلال فوق كامل المنطقة الممتدة من نهر الأردن إلى البحر المتوسط. ولا يوجد في قواميسهم أي حلول سياسية جوهرية، ويرفضون الدولة الفلسطينية ذات السيادة.
انتظار البعض لفوز أي من القادة الإسرائيليين هو تعبير واضح عن حالة العجز، بل التواطؤ الدولي ورضاهم بما يفعله الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني، رغم دموع التماسيح التي يذرفها البعض.
أما الفلسطيني فليس أمامه سوى الركون إلى الله، وترسيخ وحدته الوطنية، وتعزيز وعيه بقضيته وتمسكه بأرضه ومقدساته، والتوافق على برنامج وطني مشترك بعيدًا عن أوسلو والانقسام، وتجديد الشرعيات السياسية، وتحويل الصمود الشعبي إلى فعل مقاومة يومي، وإلغاء السلطة وتفعيل دور منظمة التحرير، وتطوير المسارات القانونية لجر قادة الاحتلال إلى المحاكم الدولية وتفعيل المقاطعة الاقتصادية، واستثمار جيل الشباب (زد) في الغرب من أجل التغيير لصالح فلسطين والضغط على حكوماتهم لتغيير سياساتهم تجاه إسرائيل، وطرح بدائل سياسية جديدة قد يكون من بينها المطالبة بالحقوق المدنية والسياسية الكاملة والمساواة لكل من يعيش بين النهر والبحر، وهو ما يضع العقيدة الديموغرافية الإسرائيلية في مأزق بنيوي مباشر.


