بعد رحلة علاج استمرت نحو 20 شهرًا في مصر، وفي أثناء عودة مريضة السرطان المسنة آمال غازي الريفي (60 سنة) التي أنهكها المرض وابنتها المرافقة ياسمين رفعت الريفي (33 سنة) وفي أثناء مرورهما عبر نقطة تفتيش جيش الاحتلال بمعبر رفح البري، اعتقلهما الاحتلال دون سبب ودون أن تملك عائلتهما أي معلومات عن مصيرهما ومكان اعتقالهما سوى أن الاحتلال مدد اعتقالهما حتى مطلع ديسمبر/ كانون الأول القادم.
صباح 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، تجهزت الريفي وابنتها المرافقة للعودة إلى غزة بعد طول انتظار وشوق كبير لرؤية العائلة، وبحالة صحية متفاقمة نتيجة انتشار مرض السرطان بالثدي والرئتين بجسدها إذ أثرت حالتها النفسية في غيابها عن أبنائها في عدم تحسن حالتها الصحية، وفي الطرف الآخر تجهزت العائلة لاستقبالهما بعد غياب طويل. لتصبح في قبضة الاعتقال بدلا من أن تحظى بالرعاية والأمان بين أحضان عائلتها.
في يوم الاعتقال، اشترت الطفلة هاجر (9 سنوات) هدية لأمها ياسمين وهي طفلتها الوحيدة، وكتبت ورقة على الهدية: "أمي. جدتي. لا أستغني عنكما" وبقيت تنتظر في البيت وصول أمها حتى ساعات المساء، عندما عاد أخوالها بلا جدتها وأمها، إذ أخبرتهم منظمة الصحة العالمية بحادثة اعتقال الحاجة آمال وابنتها ياسمين، لتخيم الصدمة على العائلة لكون جسدها المثقل بوجع المرض لا يتحمل ظروف اعتقال أو تحقيق خاصة أنه لا يوجد علاج داخل السجون.
في منزل العائلة الواقع في حي الصبرة جنوب مدينة غزة، وداخل غرفة استقبال الضيوف تجلس الطفلة هاجر بملامح حزينة، لا تخفي نظراتها الحالة الصعبة التي تعيشها خوفا على أمها، بينما تتولى خالتها المحامية ميسون رفعت الريفي (30 سنة) متابعة المسار القانوني لقضية اعتقال أمها وشقيقتها من خلال التواصل مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمؤسسات الحقوقية في محاولة الاطمئنان على مصير أمها وشقيقتها، فمر قرابة أسبوع دون الوصول لأي معلومة تبرد قلوب أبناء العائلة.

خروج طارئ
والمسنة آمال الريفي مصابة بمرض سرطان الثدي منذ عام 2015، ولديها ثلاثة أبناء ذكور وتسع إناث توفي زوجها منذ سنوات وكان أطفالها صغار السن وتولت مسؤولية رعايتهم وتربيتهم، ونتيجة تدهور حالتها الصحية خلال الحرب ووصول المرض للرئتين تقرر خروجها الطارئ للعلاج بمصر من خلال منظمة الصحة العالمية ومكثت نحو 20 شهرًا في المستشفيات المصرية.
تقول ابنتها المحامية ميسون الريفي لصحيفة "فلسطين": "خضعت أمي لثلاث عمليات جراحية وتلقت نحو 36 جرعة كيماوي، تواصلنا مع الأطباء هناك للاستفسار عن سبب تراجع حالتها وعدم تحسنها، فأفادوا أن حالتها النفسية في البعد عن عائلتها أثرت في حالتها الصحية، حتى أن جسدها لم يعد يتقبل أي علاج".
وأضافت الريفي بنبرة مليئة بالقلق عن مصير أمها المجهول داخل أقبية معتقلات الاحتلال: "كانت أمي مسؤولة عنا من الصغر، وحالتها لا تزال صعبة وجسدها لا يتحمل أي عملية تحقيق أو وجودها بعيدا عن المستشفيات، فهي بحاجة إلى برنامج علاجي مستمر وأي انقطاع يهدد حياتها، فقبل عودتها تواصلنا مع أطباء الأورام بغزة وتأكدنا أن العلاج الذي تحتاج إليه موجود في القطاع، بالتالي يقطع الأسر محاولتها للشفاء والتعافي من المرض".
حاولت المريضة الريفي العودة لغزة بعد عام من وجودها بمصر، لكن منعتها فحوصات أجريت لها وأظهرت انتشار الورم فجرى تمديد العلاج لثلاثة أشهر، وبعدها مدد العلاج ثلاثة أشهر أخرى لعدم تحسن حالتها، وفي المرحلة الأخيرة قرر الأطباء إعطاءها ست جرعات كيماوي فلم تتحمل إلا جرعتين ثم طلبت العودة لغزة.
وتابعت ابنتها بينما داهمتها الدموع: "لم تستطع أمي إكمال العلاج هناك نتيجة عدم قدرتها على تحمل البعد عن عائلتها، وجرى التواصل مع أكثر من مستشفى في غزة وتأكدنا من إمكانية استكمال علاجها، فوافقت على العودة، فكيف ستتحمل وجودها في معتقلات وظروف صعبة وقاسية؟"، محذرة من وجود خطر كبير يتهدد حياتها في حال لم يفرج عنها الاحتلال بشكل عاجل نظرا لحالتها الصحية المتدهورة.
وفي وقت كانت العائلة والجيران يترقبون عودتها واستقبالها، تخيم الصدمة والحزن على الجميع خوفا على حياتها، خاصة أن جميع المحاولات بالتواصل مع المؤسسات الدولية والحقوقية لمعرفة مصيرها لم تجدِ نفعا.
هاجر تنتظر أمها
أما ابنتها ياسمين رفعت الريفي (33 سنة) التي اعتقلها الاحتلال مع أمها، فاضطرت لترك طفلتها الوحيدة هاجر (9 سنوات) في غزة، لأجل الوقوف مع أمها في رحلة علاج شاقة خارج غزة، وتركت قطعة من قلبها، بعدما لم تسمح لها الظروف باصطحاب طفلتها التي لم يسمح لها بمرافقة جدتها.
تحتفظ الطفلة التي أجهشت بالبكاء، لحظة حديثها مع صحيفة "فلسطين" بورقة كتبتها لأمها يوم عودتها المقررة التي تحولت لرحلة اعتقال، وتقول بصوت تخنقه الدموع وملامح يحتلها الحزن: "اشتقت لأمي كثيرا، أريد أن يفرجوا عنها حتى أستطيع احتضانها. كنت أنتظرها بفارغ الصبر ولا أريد أن يطول غيابها".
وتوضح خالتها، أن الطفلة تعيش في ظروف نفسية صعبة، ولم تعد تهتم لأي شيء ودائما تنام مدة طويلة وكأنها تحاول الهرب من ظروف فراقها عن أمها.
وعن آخر تواصل بين العائلة والمسنة الريفي وابنتها قبل الاعتقال، أشارت المحامية الريفي إلى أن أمها حاولت العودة عدة مرات وكان يتم تأجيل السفر، وفي إحدى المرات وصلتا إلى المعبر ثم أعيدتا لمدينة العريش ومكثتا يومين فيها، ثم تحركتا مع فتح المعبر، وتابعت: "قالت لي أمي في آخر اتصال إنهما تحركتا وستدخلان لنقطة تفتيش الاحتلال، وكان ذلك آخر تواصل قبل الاعتقال، وتحرك أفراد العائلة لاستقبالهما لكن للأسف الجميع استقبل عائلاته إلا إخوتي عادوا بدون أمي وأختي وكان أمرا صعبا ل يصدق".
وبشأن المسار القانوني للقضية، تبين المحامية الريفي أنها تواصلت مع جميع المؤسسات الحقوقية في قطاع غزة والضفة الغربية والصليب الأحمر، وجرى توكيل محام لزيارتهما، إلا أن اللجنة الدولية ردت أنها لم تملك معلومات عن مكان اعتقالهما، كما منع الاحتلال المحامي من لقائهما لحين 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 2026 كما جرى تمديد اعتقالهما حتى 3 ديسمبر/ كانون الأول من العام ذاته.
وتتساءل الريفي: "أي قانون يبيح أن يتم اعتقال مسنة مريضة حالتها خطرة؟ نحن نخشى على حياتها الصحية التي لا تتحمل ظروف الاعتقال"، مطالبة المنظمات الحقوقية بالتحرك بالضغط على الاحتلال للإفراج عن أمها وشقيقتها.


